تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أسباب ارتقاء المسلمين الماضي

إن أسباب الارتقاء كانت عائدة في مجملها إلى الديانة الإسلامية التي كانت قد ظهرت جديدا في الجزيرة العربية فدان بها قبائل العرب، وتحولوا بهدايتها من الفرقة إلى الوحدة، ومن الجاهلية إلى المدنية، ومن القسوة إلى الرحمة، ومن عبادة الأصنام إلى عبادة الواحد الأحد، وتبدلوا بأرواحهم الأولى أرواحا جديدة، صيرتهم إلى ما صاروا إليه من عز ومنعة، ومجد وعرفان وثروة، وفتحوا نصف كرة الأرض في نصف قرن، ولولا الخلاف الذي عاد فدب بينهم منذ أواخر خلافة عثمان وفي خلافة علي - رضي الله عنهما - لكانوا أكملوا فتح العالم، ولم يقف في وجههم واقف.

على أن تلك الفتوحات التي فتحوها في نصف قرن أو ثلثي قرن - برغم الحروب التي تسببت بها مشاقة معاوية لعلي والحروب التي وقعت بين بني أمية وابن الزبير - قد أدهشت عقول العقلاء والمؤرخين والمفكرين، وحيرت الفاتحين الكبار، وأذهلت نابليون بونابرت أعظمهم، وله تصريح في ذلك نقله عنه «لاكاس» الذي رافقه إلى جزيرة «سانت هيلانة» وغيره من المقيدين لحوادث نابليون المتبعين لأقواله؛ فقد ثبت ثبوتا قطعيا من أقوال ذلك الفاتح العظيم وسيرته أيام كان بمصر أنه كان معجبا بمحمد وعمر وبكثير من أبطال الإسلام، وإن نفسه حدثته لما كان بمصر أن يتخذ الإسلام دينا له.

فالقرآن قد أنشأ - إذا - العرب نشأة مستأنفة، وخلقهم خلقا جديدا، وأخرجهم من جزيرتهم والسيف في إحدى اليدين والكتاب في الأخرى يفتحون ويسودون، ويتمكنون في الأرض بطولها وعرضها.

ولا عبرة بما يقال في شأن العرب قبل الإسلام، وما يروى من فتوحات لهم ومدنيات أثيلة، وما ينوه به من أخلاق عظام في الجاهلية، فهذه ولا جدال قد كانت ولا تزال آثارها ظاهرة، ولا شك في مدنية العرب القديمة، وأنها من أقدم مدنيات العالم على الإطلاق، ومما يرجح أن الكتابة قد بدأت عندهم، وأنه لو فرض أن الفينيقيين الذين اخترعوا الكتابة في العالم، فالفينيقيون في الحقيقة أمة سامية عربية، ولكن دائرة تلك المدنية كانت محدودة مقصورة على الجزيرة وما جاورها، وقد أتى على العرب حين من الدهر سادهم الغرباء في أرضهم، وأذلهم الأجانب في عقر دارهم، كالفرس في اليمن وعمان والحيرة، وكالحبشة في اليمن، وكالروم في أطراف الحجاز ومشارف الشام، والحقيقة أنهم لم يستقلوا استقلالا حقيقيا واسعا إلا بالإسلام، ولم تعرفهم الأمم البعيدة وتخنع لهم الممالك العظام والقياصرة والأكاسرة، وتتحدث بصولتهم الناس، ولم يقعدوا من التاريخ المقعد الذي أحلهم في الصف الأول من الأمم الفاتحة، إلا بمحمد

صلى الله عليه وسلم .

فالسبب الذي به نهضوا وفتحوا، وسادوا وشادوا ، وبلغوا هذه المبالغ كلها من المجد والرقي، يجب علينا أن نبحث عنه وننشده، ونخفي المسألة ونمعن في النشدان: أهو باق في العرب وهم قد تأخروا برغم وجوده، وتأخر معهم تلاميذهم الذين هم سائر المسلمين، أم قد ارتفع هذا السبب من بينهم، ولم يبق من الإيمان إلا اسمه، ومن الإسلام إلا رسمه، ومن القرآن إلا الترنم به، دون العمل بأوامره ونواهيه، إلى غير ذلك مما كان في صدر الملة، وعنجهية الشريعة.

فقد المسلمين السبب الذي ساد به سلفهم

إذا فحصنا عن ذلك وجدنا أن السبب الذي به استقام هذا الأمر قد أصبح مفقودا بلا نزاع، وإن كان بقي منه شيء كباقي الوشم في ظاهر اليد؛ فلو كان الله تعالى وعد المؤمنين بالعزة بمجرد الاسم دون الفعل لكان يحق لنا أن نقول: أين عزة المؤمنين؟ من قوله تعالى:

ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين .

2

ولو كان الله قد قال:

وكان حقا علينا نصر المؤمنين .

3

بمعنى أنه ينصرهم بدون أدنى مزية فيهم سوى أنهم يعلنون كونهم مسلمين، لكان ثمة محل للتعجب من هذا الخذلان بعد ذلك الوعد الصريح بالنصر، ولكن النصوص التي في القرآن هي غير هذا، فالله غير مخلف وعده، والقرآن لم يتغير، وإنما المسلمون هم الذين تغيروا، والله تعالى أنذر بهذا فقال:

لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ص ٣