ولما ذهبت إلى المدينة المنورة زائرا للنبي
صلى الله عليه وسلم
وذلك سنة 1330ه، كنت أسمع أن عدم مد الخط الحديدي من المدينة إلى مكة نشأ عن اعتراض قبائل العرب من حرب وغيرها، وأنهم لا يسمحون بمرور الخط في أراضيهم، ففحصت هذه القضية فوجدت أكثرها هراء وافتراء، وسألت شيوخ القبائل عما يقال من معارضتهم في إنشاء السكة؛ فقالوا: لو كنا معارضين لإنشائها لعارضنا ذلك من أول دخولها في أرض الحجاز، والحال أننا كنا مساعدين للحكومة على هذا المشروع بكل قوانا، فسألتهم التوقيع على عريضة للدولة يطلبون فيها تمديد هذا الخط من المدينة إلى مكة فوقع عليها جم من أولئك المشايخ، ولم تكن الدولة عهدت إلي بهذه المهمة، وإنما قمت بها خدمة للوطن وللملة.
ولولا طروء الحرب العامة بعد ذلك بقليل لكان بوشر بمد الخط الحديدي من المدينة إلى مكة، فلما انتهت الحرب العامة واحتلت إنكلترة فلسطين وفرنسا سوريا كان أول ما توجهت إليه همم الإنكليز والفرنسيس هو تعطيل هذا الخط الحديدي الذي يربط القطر الشامي بجزيرة العرب ويقرب صلات المسلمين بعضهم ببعض.
وكم احتج المسلمون على تعطيل هاتين الدولتين لهذا الخط الحيوي للشام والحجاز، وكم أبدوا وأعادوا في أن هذه السكة الحديدية الحجازية كانت تركيا قد جعلتها من جملة أوقاف المسلمين فلا يحق لدولة أجنبية أن تعبث بأوقافهم! فلم يكن ذلك ليقنع تينك الدولتين بالاعتدال ورفع الاعتداء، ولا تزال هذه المؤامرة الفظيعة على هذا الحق المقدس من حقوق المسلمين نافذة إلى يوم الناس هذا، فإذا قام شخص مثلنا يذكرهم بهذا الاعتداء القبيح ضاقت صدورهم به ودس عليه الإنكليز في السر، وطعن عليه الفرنسيس في الجهر، ونعتوه «بعدو فرنسا» وما أشبه ذلك.
والحال أننا إنما نريد صلاح أحوال بلادنا، ولا نضمر لأحد سوءا، والشاهد الذي نقصده هنا هو ما سبق إنشاء سكة الحجاز من تشاؤم كثير من المسلمين، واستهزائهم واستنكارهم وتأكيد أنه خط محال إنشاؤه، ومشروع يكون من قلة العقل تعليق الأمل به، وهذا مثال من أمثلة كثيرة لا يمكن استقصاؤها من كثرتها؛ فقلما تدخل بلدا من بلدان الإسلام، ولا يوردون لك من هذه الأمثال.
وكما ظن المسلمون أنهم لا يحسنون شيئا من المشروعات العمرانية، وأنه لا بد لهم من الأوروبي حتى يدخلوا الإصلاح في بلادهم، وأنه من دون الإفرنجي لا يقدرون على أية عمارة ولا مرفق ذي بال، كذلك ذهبوا إلى أنه لا حظ لهم في الأعمال الاقتصادية أصلا، وأن كل مشروع اقتصادي إسلامي صائر إلى الحبوط إن لم تكن له أركان إفرنجية، وقد طال نومهم على هذه العقيدة الفاسدة حتى لم يبق في بلادهم شيء اسمه اقتصاد إلا كانت إدارته بأيدي الإفرنج أو اليهود، وحتى لو دعا منهم داع إلى تأليف شركة تجارية أو صناعية أو زراعية لم يدخلها صاحب رأس مال من المسلمين إلا إذا كانت إدارتها بيد إفرنجي أو يهودي، وكلمة الجميع عندهم: نحن لا يخرج من أيدينا عمل ولا نصلح لشيء.
وقد بقي اليهود والإفرنجة يتمتعون بخيرات بلاد الإسلام قرونا وحقبا طوالا دون مزاحم ولا مراغم، ويستدرون فيها أخلاف كل صنعة، ويستورون زناد كل مرفق إلا ما ليس له بال حتى ولو قدر ما ضاع على المسلمين في ظل هذا الوهم بالمليارات وعشرات المليارات ما كانت فيه مبالغة وكأن المسلمين لم يوجدوا في الدنيا إلا عملة أو أكرة يشتغلون بأيديهم، ولا يشتغلون بعقولهم.
وبهذا السبب خلا الميدان في بلاد الإسلام لأصناف الأجانب يركضون فيه جياد قرائحهم وعزائمهم، ويجمعون الثروات التي ليس وراءها متطلع لمزيد؛ وذلك على ظهور المسلمين ومن أكياسهم، وقد يكثر التحدث بما يصيب الأجانب من هذه المكاسب الطائلة التي كان أهل الإسلام أولى بها؛ لأنها من بلادهم ولا تحفزهم همة ولا تأخذهم غيرة فيجربون الخب في الحلبات الاقتصادية إلى أن نبغ في مصر محمد طلعت باشا حرب، فكان في هذا الباب أمة وحده، وأدرك بواسع عقله وثاقب فكره أن ليس في هذا الموضوع شيء يفوق طاقة المسلمين، ولا مما يتعذر وجود أدواته عندهم، وأن قصورهم فيه عن مباراة الأجانب لم يكن إلا من آثار ذلك التوهم القديم الذي هو أنهم لا يحسنون الجري في أي ميدان من ميادين الاقتصاد، وقد وجدت عند هذا الرجل في جانب رجاحة العقل وسداد الحكم همة بعيدة قعساء، ونزعة وطنية صافية من الأقذاء، سالمة من الأهواء، فاجتمعت فيه جميع الشروط اللازمة لمن شاء أن يبدأ بالشرق بنهضة اقتصادية تزاحم بالمناكب وثبات الأجانب، ومما يندر في الرجال الجمع بين الحساب الدقيق والخيال الواسع، وهما قد انتظما جنبا إلى جنب في دماغ طلعت باشا حرب، فكانت سعة خياله مساعدة له على الإقدام نحو المشروعات التي هي مظان الأرباح، وكانت دفة حسابه مساعدة له على نجاحها، وضمان أرباحها، وبالاختصار اقتحم طلعت حرب معركة هي الأولى من نوعها في المجتمع الشرقي.