وعندما باشر جمع رأس المال الذي كان حدده لإنشاء بنك مصر وهو 80 ألف جنيه عانى في ذلك أهوالا، ونحت جبالا؛ وذلك لما ران على عقول المسلمين من أنهم لا يقدرون على الاستقلال بعمل اقتصادي، وأن كل عمل منهم في هذا السبيل حابط من نفسه، هابط على أم رأسه، فلما أخذ طلعت باشا حرب يتقاضى أغنياء مصر المشاطرة في هذا المشروع لبوا نداءه؛ حياء منه، لا اعتقادا بأنه سيأتي بثمرة، وبقيت ثقتهم بأجمعها في بنوك الأجانب، وما زال معولهم عليها إلى أن شاهدوا بأعينهم النجاح الذي كاد يكون معجزة في نظرهم، وارتفع رأس مال بنك مصر من 80 ألف جنيه إلى مليون جنيه، واحتوت خزائنه من الودائع على عدة ملايين من الجنيهات، واشتمل على أملاك وملفات وشركات متعددة متنوعة تقدر بملايين أخرى من الجنيهات؛ بحيث زادت الأموال التي تحت تصرف البنك على عشرين مليون جنيه، وكل هذا في ثماني عشرة سنة أنشأ فيها طلعت باشا حرب ومدحت باشا يكن ورفاقهما على حساب بنك مصر شركة مصر للغزل والنسج التي معملها في المحلة هو من أكمل وأعظم معامل الغزل والنسيج في العالم يعمل فيه 18 ألف عامل يندر فيهم غير المصري، ويسد من المنسوجات القطنية ثلث حاجة القطر المصري بأجمعه، فيكون قد وفر على المملكة المصرية ثلاثة ملايين جنيه سنويا، كانت من قبل تخرج من جيوب المصريين لتدخل في جيوب الأوروبيين.
وهناك من توابع بنك مصر شركة مصر لنسج الحرير، وشركة مصر للتمثيل والسينما، وكل هذه نالت معروضاتها الجوائز الكبرى في المعرض الدولي الباريزي سنة 1937 ثم شركة مصر لمصايد الأسماك، وشركة مطبعة مصر، وشركة مصر للطيران، وشركة مصر للسياحة، وناهيك بشركة مصر للملاحة البحرية وما أنشأته من المنشآت الجواري كالأعلام؛ مثل: زمزم، والكوثر، والنيل، وغيرها؛ مما كاد يكون كالأحلام، فصار الحجاج يبلغون الحجاز على بواخر يرون بها أنفسهم في مثل قصور الملوك؛ فراهة، ورفاهة، وراحة، ونعيما، ومقاما كريما، وصار سياح مصر الكثيرون إلى أوروبا في فصل الصيف يركبون تحت العلم المصري الشريف بواخر لو قرنت ببواخر الأمم الأوروبية لحلت بينها في الصف الأول، هذا بعد أن قضينا كل الدهر نسير ونسري في البواخر الأجنبية ونؤدي إليها أموالنا بلا سبب سوى قصور هممنا عن إنشاء بواخر خاصة بأوطاننا؛ بها ركوبنا، وعليها نقل بضائعنا، وليس هنا محل تفصيل مشروعات طلعت باشا حرب باعث النهضة الاقتصادية في الشرق لنخوض في هذا العباب، ولا مقصدنا تمجيده والإشادة بمآثره ولو بالحقيقة، وإنما كان إيرادنا هذه القصة على سبيل المثال لما كان عليه المسلمون من الجبن في المواطن الاقتصادية إلى أن هب هذا الرجل مدير بنك مصر فأيقظهم من سباتهم، وأعلمهم أنهم رجال كما الأوروبيون رجال، وأنهم إذا شحذوا غرار عزائمهم وأعملوا أسنة قرائحهم قدروا على ما يقدر عليه الأجانب من الأعمال الاقتصادية الكبيرة.
وها نحن أولاء الآن نرى العاملين في بنك مصر وفي الشركات المضافة إليه ثلاثين ألف مستخدم وعامل كلهم مصريون؛ إلا النادر الأندر، وهكذا بدأ المسلمون يقتحمون معارك الحياة الاقتصادية في كل فن من فنونها، وتولدت عندهم في أنفسهم ثقة كانت محجوبة عنهم من قبل؛ بحيث إن أحمد حلمي باشا والسيد عبد الحميد شومان من فلسطين أسسا في القدس بنكا كل رأس ماله خمسة عشر ألف جنيه، وتوفقا - بحسن إدارتهما - إلى أن صيرا هذا البنك العربي الوحيد في القطر الشامي من البنوك المعدودة ذوي الفروع الكثيرة صار يشتمل على خمس مئة ألف جنيه.
وكذلك أسسا بنكا زراعيا شاطر في تأسيسه أكثر من خمسة آلاف مساهم من عرب فلسطين، وبلغ رأسماله نيفا ومئة ألف جنيه، فسدت بهذين البنكين الأمة العربية في فلسطين حاجتها، واستغنى ذوو الحمية منها عن الالتجاء إلى بنوك الأجانب، وفهم الناس أن هؤلاء ليسوا فوق الشرقيين، وأنهم لا يعجزون.