تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما عزم السلطان عبد الحميد الثاني العثماني على مد سكة حديدية من دمشق إلى الحرمين الشريفين قوبل هذا المشروع أوانئذ بمزيد الاستغراب تبعا للعادة، ومن الناس من ضحكوا به وقالوا: نحن نرى أنفسنا عاجزين عن إنشاء طريق عجلات، فكيف نستطيع أن ننشئ سكة حديدية طولها يزيد عن ألفي كيلو متر وأنى لنا المال والعلم اللازمان لمشروع عظيم كهذا؟! وأغرب من تشاؤم المسلمين وشعورهم بالعجز عن القيام بهذا العمل أن المهندس الألماني الكبير مايستر باشا الذي انتدبه السلطان لرئاسة مهندسي هذا الخط هو نفسه كان لا يعتقد إمكان إنشاء هذا الخط، وكان هذا الرجل صديقي فسألته مرة عن رأيه فيه فقال: لي إنه يرجو إيصاله إلى معان وهي مسافة أربع مئة كيلو متر من دمشق، فأما مده من معان إلى المدينة فيكاد يكون من المستحيل. فسألته: هل ذلك من عدم وجود المال؟

قال: على فرض وجد المال فإن دون إنشاء الخط موانع طبيعية يتعذر التغلب عليها؛ فإن السكة يلزم لها ماء في كل محطة، والماء لا يوجد إلا في محطات معدودة، وإن أنشأنا صهاريج تملأ بماء المطر لم يؤمن أن الحرارة في الصيف تنشف بشدتها مياه الصهاريج، وهناك صعوبة أخرى وهي أن الخط سيمتد في أمكنة كلها رمال، وقد تهب الرياح السافياء فتأتي برمال تغطي الخط، ولا يمكن منع ذلك إلا بزرع الحلفاء والقصب والطرفاء، وكل هذا يلزمه ماء حتى ينمو؛ وأين الماء من تلك الأراضي؟! هذا كان كلام المهندس الكبير لي من جهة الطبيعة، ثم ذكر الخطر الواقع على الخط من أعراب البادية.

فأما أنا فكنت معتقدا خلاف اعتقاد الآخرين قائلا بأن ليس ثمة صعوبات لا يستطاع تذليلها، وكنت من الذين ينددون بالمتشائمين والمتهكمين، ونظمت في هذا المشروع قصيدة أحث بها الأمة على التبرع لأجله، وتبرعت أنا من جيبي بخمسة عشر جنيها، وذكرت ما سيكون لهذا الخط من الفوائد العمرانية والاقتصادية والعسكرية؛ فضلا عن تسهيل الحج الذي هو هدفه الأسمى، وكان مطلع قصيدتي:

ألا يا بني الإسلام هل من مساعد

لفعل سماوي المثوبة ماجد

فلما طبعت القصيدة ونشرتها سلقني الكثيرون من أولئك الغربان بألسنة حداد؛ وكأني كفرت في تنويهي بمشروع يربط الشام بالحجاز ويختصر المسافة بينهما على الحجاج من 40 يوما إلى أربعة أيام وهزءوا ما شاءوا، وتمنطقوا بقدر ما أرادوا، ولكن كل تلك الفلسفة لم تجدهم فتيلا ونجز الخط الحديدي من دمشق إلى المدينة المنورة؛ وهي مسافة ألف وأربع مئة كيلو مترا، ولولا خلع السلطان عبد الحميد لكان قد تم إلى البلد الحرام، ولكن من بعده فترت الهمة بإكماله، وجاءت الحرب وعواقبها فقضت بإهماله.

ثم إن هذا الخط جاء من أبدع الخطوط الحديدية في العالم، صادفت مرة فيه أحد كبراء مسلمي الهند من أعضاء مجلسها الأعلى وهو ممن تثقفوا ثقافة إنكليزية محضة وتخرج من جامعة أكسفورد فقال لي: لا يوجد في نفس إنكلترة سكة حديدية تضاهي في الإتقان هذه السكة، ولو لم أشاهدها بعيوني ما صدقت بوجودها. وبالفعل لم يصدق كثير من المسلمين أخبارها فأرسلوا وفودا يشاهدونها بأعينهم، فكان المسافر يصل من دمشق إلى المدينة في ليلتين، وكانت دمشق تستفيد كل سنة من هذا الخط ما يقارب 200 ألف جنيه، وعمرت القرى التي مر بها الخط، وارتفعت أثمان الأراضي ارتفاعا مدهشا، وتضاعف عمران المدينة المنورة أضعافا، هذا فضلا عما توفر من المشاق والأخطار على الحجاج والزائرين، والتجار والمسافرين.

وأما الصعوبات الطبيعية التي كانوا يقدرونها فلم يصح منها شيء، وأما الأعراب فلم يقع منهم على الخط أدنى اعتداء، وكان عند كل محطة من محاط الخط قلعة فيها جند للمحافظة، وكل تلك المحطات والقلاع كانت مبنية أمتن بناء، ولما كان لا يتاح لغير المسلمين دخول أرض الحجاز فكان إنشاء الخط؛ أي القسم الداخل منه في الحجاز كله على أيدي مهندسين مسلمين، حتى إن مايستر باشا الألماني نفسه لم يتجاوز في إشرافه بلدة تبوك.

لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ص ٣١