ما أسباب ما صار إليه المسلمون (ولا سيما نحن مسلمو جاوة وملايو) من الضعف والانحطاط في الأمور الدنيوية والدينية معا، وصرنا أذلاء لا حول لنا ولا قوة، وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز:
ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين .
1
فأين عزة المؤمنين الآن؟ وهل يصح لمؤمن أن يدعي أنه عزيز، وإن كان ذليلا مهانا ليس عنده شيء من أسباب العزة إلا أن الله تعالى قال:
ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين . (2)
ما الأسباب التي ارتقى بها الأوروبيون والأمريكانيون واليابانيون ارتقاء هائلا؟ وهل يمكن أن يصير المسلمون أمثالهم في هذا الارتقاء إذا اتبعوهم في أسبابه مع المحافظة على دينهم «الإسلام» أم لا؟
هذا؛ والمرجو من فضل الأمير أن يبسط الجواب في المنار عن هذه الأسئلة، وله وللأستاذ صاحب المنار من الله الأجر الجزيل.
محمد بسيوني عمران
سنبس بورنيو الغربية
في 21 ربيع الآخر سنة 1348 •••
هذا نص كتاب السائل ويتلوه جواب الأمير، وقد وضعنا له بعض العناوين؛ لأنها كمحطات الطريق للسالكين، وعلقنا عليه قليلا من الحواشي المفيدة للقارئين، كما فعلنا ذلك في كتاب الإسلام والنصرانية لشيخنا الأستاذ الإمام - رحمه الله.
ملاحظة: الحواشي التي من قلم العلامة السيد رشيد رضا - رحمه الله - عليها التوقيع بحرف (ر)، والحواشي المضافة إلى هذه الطبعة من قلم المؤلف عليها التوقيع بحرف (ش).
| هوامش
| جواب الأمير شكيب أرسلان
إن الانحطاط والضعف اللذين عليهما المسلمون شيء عام لهم في المشارق والمغارب لم ينحصر في جاوة وملايو، ولا في مكان آخر، وإنما هو متفاوت في دركاته، فمنه ما هو شديد العمق، ومنه ما هو قريب للغور، ومنه ما هو عظيم الخطر، ومنه ما هو أقل خطرا.
وبالإجمال حالة المسلمين الحاضرة ولا سيما مسلمي القرن الرابع عشر للهجرة أو العشرين للمسيح، لا ترضي أشد الناس تحمسا بالإسلام وفرحا بحزبه، فضلا عن غير الأحمسي من أهله.
إن حالتهم الحاضرة لا ترضي؛ لا من جهة الدين، ولا من جهة الدنيا، ولا من جهة المادة، ولا من المعنى، وإنك لتجد المسلمين في البلاد التي يساكنهم فيها غيرهم متأخرين عن هؤلاء الأغيار لا يساكنهم في شيء إلا ما نزر، ولم أعلم من المسلمين من ساكنهم أمم أخرى في هذا العصر، ولم يكونوا متأخرين عنهم إلا بعض أقوام منهم ؛ وذلك كمسلمي بوسنه مثلا فإنهم ليسوا في سوي مادي ولا معنوي أدنى من سوي النصارى الكاثوليكيين، أو النصارى الأرثوذكسيين الذين يحيطون بهم، بل هم أعلى مستوى من الفريقين،
1
وككثير من مسلمي الروسية الذين ليس المسيحيون الذين يحاورونهم أرقى من الطوائف المسيحية التي تساكنهم، ولا خلاف في أن مسلمي الصين إجمالا على تأخرهم هم أرقى من الصينين البوذيين، هذا إذا كانت النسبة بين الفريقين باقية كما كانت قبل الحرب العامة، وفيما عدا هذه الأماكن نجد تأخر المسلمين عن مسايرة جيراهم عاما مع تفاوت في دركات التأخر.
ويقال: إن العرب في جزيرة سنغافورة هم أعظم ثروة من جميع الأجناس التي تساكنهم حتى من الإنكليز أنفسهم بالنسبة إلى العدد، ولا أعلم مبلغ هذا الخبر من الصحة، ولكنه على فرض صحته ليس بشيء يقدم أو يؤخر في ميزانية المسلمين العامة.
ولا إنكار أن في العالم الإسلامي حركة شديدة، ومخاضا عظيما شاملا للأمور المادية والمعنوية، ويقظة جديرة بالإعجاب؛ قد انتبه لها الأوروبيون وقدروها قدرها، ومنهم من هو متوجس خيفة مغبتها، لا يخفى هذا الخوف من تضاعيف كتاباتهم، إلا أن هذه الحركة إلى الأمام لم تصل بالمسلمين حتى اليوم الأول إلى درجة يساوون بها أمة من الأمم الأوروبية أو الأميريكية أو اليابان.
فبعد أن تقرر هذا وجب أن نبحث في الأسباب التي أوجدت هذا التقهقر في العالم الإسلامي، بعد أن كان منذ ألف سنة هو الصدر المقدم، وهو السيد المرهوب المطاع بين الأمم؛ شرقا وغربا، فقبل أن نبحث في أسباب الارتقاء فنقول: