والجامد هو الذي شهر الحرب على العلوم الطبيعية والرياضية والفلسفية وفنونها وصناعاتها بحجة أنها من علوم الكفار، فحرم الإسلام ثمرات هذه العلوم، وأورث أبناءه الفقر الذي هم فيه، وقص أجنحتهم، فإن العلوم الطبيعية هي العلوم الباحثة في الأرض، والأرض لا تخرج أفلاذها إلا لمن يبحث فيها
1
فإن كنا طول العمر لا نتكلم إلا فيما هو عائد للآخرة قالت لنا الأرض: اذهبوا توا إلى الآخرة؛ فليس لكم نصيب مني.
ثم إننا بحصر كل مجهوداتنا في هذه العلوم الدينية والمحاضرات الأخروية جعلنا أنفسنا بمركز ضعيف بإزاء سائر الأمم التي توجهت إلى الأرض، وهؤلاء لم يزالوا يعلون في الأرض ونحن ننحط في الأرض، إلى أن صار الأمر كله في يدهم، وصاروا يقدرون أن يأفكونا عن نفس ديننا فضلا عن أن يملكوا علينا دنيانا، ومن ليست له دنيا فليس له دين، وليس هذا هو الذي يريده الله بنا وهو الذي قال:
وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض
الآية.
2
وقال:
هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا .
3
وقال:
قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة .
4
وقال فيما حكاه وأقره:
ولا تنس نصيبك من الدنيا .
5
وعلمنا أن ندعوه بقوله:
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة
6 ... إلخ.
والمسلم الجامد لا يدري أنه بهذا المشرب يسعى في بوار ملته وحطها عن درجة الأمم الأخرى، ولا يتنبه لشيء من المصائب التي جرها على قومه إهمالهم العلوم الكونية حتى أصبحوا بهذا الفقر الذي هم فيه، وصاروا عيالا على أعدائهم الذين لا يرقبون فيه إلا ولا ذمة، فهو إذا نظر إلى هذه الحالة عللها بالقضاء والقدر بادئ الرأي، وهذا شأن جميع الكسالى في الدنيا يحيلون على الأقدار.
هذا الخلق هو الذي حبب الكسل إلى كثير من المسلمين فنجمت فيهم فئة يلقبون «بالدراويش» ليس لهم شغل ولا عمل، وليس في الواقع إلا أعضاء مشلولة في جسم المجتمع الإسلامي.
وهذا الخلق بعينه هو الذي جعل الإفرنج يقولون: إن الإسلام جبري لا يأمر بالعمل؛ لأن ما هو كائن هو كائن، عمل المخلوق أم لم يعمل.
آيات العمل المبطلة لتفسير القدر بالجبر والكسل
ولا شيء أدل على فساد هذا الزعم الإفرنجي من القرآن الملآن بالحث على العمل وباستنهاض الهمم، وابتعاث العزائم، ونوط الثواب والعقاب والفوز والفشل بالعمل الذي يعمله المكلف، قال الله تعالى:
وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله .
7
وقال تعالى:
وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم .
8
وقال تعالى:
وسيرى الله عملكم .
9
وقال تعالى:
لنا أعمالنا ولكم أعمالكم .
10
وقال تعالى:
يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم .
11
وقال تعالى:
والله معكم ولن يتركم أعمالكم .
12
أي لا ينقصكم أعمالكم.
وقال تعالى:
وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا .
13 «لا يلتكم» من لاته يليته، أو ولته يلته بمعنى نقصه، أي لا يبخسكم من أعمالكم شيئا، وقال تعالى:
نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون .
14
وقال عز وجل:
وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم .
15
وقال عز وجل:
وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون .
16
وقال عز وجل:
أني لا أضيع عمل عامل منكم .
17
وقال عز وجل:
فنعم أجر العاملين .
18
وقال عز وجل:
لمثل هذا فليعمل العاملون .
19
وقال عز وجل:
إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه .
20
وقال عز وجل:
وتوفى كل نفس ما عملت .
21
وقال عز وجل:
من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون .
22
وقال عز وجل:
يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا .
23
وقال عز وجل:
ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون .