تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولماذا كان ملك إنكلترة وإمبراطور الهند السيد على 450 مليون آدمي في الأرض من البيض والسمر والصفر والحمر والسود هو رئيس الكنيسة الإنكليكانية، ومجالسه النيابية تبحث في جلسات عديدة في قضية الخبز والخمر؛ هل يستحيلان بمجرد تقديس القسيس إلى جسد المسيح ودمه فعلا دون أدنى شك، أم ذلك قبيل الرمز والتمثيل؟

1

ولا يقال عنه: إنه (رجعي)، ولا يقال عن دولته العظمى: إنها (متأخرة) أو (متقهقرة)، فإن كانت إنكلترة بعد هذا متقهقرة فيا حبذا (التقهقر).

ولماذا كانت القارة الأوروبية كلها مسيحية مفتخرة بمسيحيتها، تتباهى بذلك في كل فرصة، متحدة في هذا الأمر على ما بينها من عداوات ومنافسات، ولا ننبذها حتى بقولنا: (رجعية) و(ارتجاعية)، والحال أن الديانة التي تدين بها أوروبة عمرها 19 قرنا.

وهذا عهد يصح أن يقال عنه: قديم، (وقديم جدا)، وهؤلاء اليهود - مهما ننكر عليهم من الفضائل فلا نقدر أن ننكر عليهم المقدرة والذكاء والحس العملي والجد الهائل - لا يزالون يفخرون بتوراة وجدت منذ آلاف السنين ويشاركهم فيها المسيحيون.

ولماذا نرى أعظم شبان اليهود رقيا عصريا يجاهدون في إحياء اللغة العبرية التي لا يعرف مبدأ تاريخها؛ لتوغلها في القدم، ولا يقال عنهم: إنهم رجعيون ومتأخرون وقهقريون؟!

وقد نشر وايزمان رئيس الجمعية الصهيونية حديثا في جريدة (الماتن) كان من أهم ما فخر به وأدلى به كمأثرة ينبغي أن تذكرها لهم الإنسانية هو (أن فلسطين الحديثة تتكلم اليوم بأجمعها بلغة الأنبياء) يريد بفلسطين الحديثة؛ فلسطين اليهودية التي قد نشر الصهيونيون فيها اللغة العبرانية القديمة، وأجبروا نشئهم الجديد على أن يتحدثوا بها لتكون اللغة الجامعة لليهود، ومن الذي فعل هذا؟ الجواب: هم اليهود العصريون الذين هم أشد الناس أخذا بمبادئ العلم الحديث والحضارة العصرية.

وما يذكر إلا أولو الألباب .

2

وماذا عساني أحصي من هذه الأماثيل والعبر في رسالة وجيزة كهذه؟!

كل قوم يعتصمون بدينهم ومقومات ملتهم ومشخصات قومهم الموروثة ولا ينبزون بهذه الألقاب إلا المسلمين!

فإنه إذا دعاهم داع إلى الاستمساك بقرآنهم وعقيدتهم ومقوماتهم ومشخصاتهم وباللسان العربي وآدابه والحياة الشرقية ومناحيها قامت قيامة الذين في قلوبهم مرض ... وصاحوا: لتسقط الرجعية. وقالوا: كيف تريدون الرقي وأنتم متمسكون بأوضاع بالية باقية من القرون الوسطى، ونحن في عصر جديد.

جميع هؤلاء الخلائق تعلموا وتقدموا وترقوا وعلوا وطاروا في السماء؛ والمسيحي منهم باق على إنجيله وتقاليده الكنسية، واليهودي باق على وثنه وأرزه المقدس، وكل حزب منهم فرح بما لديه، وهذا المسلم المسكين يستحيل أن يترقى إلا إذا رمى بقرآنه وعقيدته ومآخذه ومتاركه ومنازعه ومشاربه ولباسه وفراشه وطعامه وشرابه وأدبه وطربه وغير ذلك، وانفصل من كل تاريخه، فإن لم يفعل ذلك فلا حظ له من الرقي؟!

فهذا ما كان من ضرر الجاحد الذي يقصد السوء بالإسلام، وبالشرق أجمع، ويخدع السذج بأقاويله.

| هوامش

| غوائل الجامدين في الإسلام والمسلمين

وبقي علينا المسلم الجامد، الذي ليس بأخف ضررا من الجاحد، وإن كان لا يشركه في الخبث وسوء النية، وإنما يعمل ما يعمله عن جهل وتعصب.

فالجامد هو الذي مهد لأعداء المدنية الإسلامية الطريق لمحاربة هذه المدنية محتجين بأن التأخر الذي عليه العالم الإسلامي إنما هو ثمرة تعاليمه.

والجامد هو سبب الفقر الذي ابتلى به المسلمون؛ لأنه جعل الإسلام دين آخرة فقط، والحال أن الإسلام هو دين دنيا وآخرة، وإن هذه مزية له على سائر الأديان، فلا حصر كسب الإنسان فيما يعود للحياة التي وراء هذه كما هي ديانات أهل الهند والصين، ولا زهده في مال الدنيا وملكها ومجدها كتعاليم الإنجيل، ولا حصر سعيه في أمور هذه المعيشة الدنيوية كما هي مدنية أوروبة الحاضرة.

لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ص ١٩