تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Occidentalism ) الذي لا يريد الياباني أن يأخذ منه إلا ما هو ضروري له لأجل مصارعة سائر الأمم بنجاح، ولا شك أن هذا مثال فريد في تاريخ أمم الشرق الأقصى.

ثم يقول:

كان اليابانيون يكرهون الأسفار إلى البلدان البعيدة، ويحظرون دخول الأجانب إلى بلادهم، ولكن هذا المنع قد ارتفع بعد النهضة العصرية، وتلافت اليابان ما فات بشكل مدهش، والنتائج هي أمامنا، إلا أن الماضي لا يزال عند اليابانيين مقدسا معظما في جميع طبقاتهم؛ لأنه في هذا الماضي المقدس يجد اليابانيون جميع شعورهم بقيمتهم الحاضرة، فتراهم يكافحون بوسائل المدنية الحديثة التامة التي لا سبيل إلى الحياة بدونها في أيامنا هذه، لكن ينبذون كل «تغرب» بمجرد ما يجدون أنفسهم في غنى عنه، ويعودون مع اللذة إلى شعورهم القومي الخالص الذي به يعتقدون أنهم الأعلون.

وهناك هياكل «شنتو» ومعابد «زن» والهياكل البوذية وهي مكرمة معظمة مخدومة بأشد ما يمكن من الحماسة الدينية والإيمان الثابت كما كانت منذ قرون، والحق أن هذا الاحترام الشديد الذي يشعر به اليابانيون لقديمهم ولمعبوداتهم هو الذي قام عندهم حصنا منيعا دون المبادئ الشعوبية، والأفكار الشيوعية المضرة.

ومنذ بضع سنوات ظهر في فرنسة تأليف جديد عن اليابان للمركيز (لا مازليير

La Mazelière ) قد أطنبت الجرائد في وصفه، ونشرت عنه جريدة (الديبا) مقالا رنانا، فنحن نوصي القراء الذين يهمهم أن يعرفوا كيفية ارتقاء اليابان - وهو موضوع في غاية الجلالة؛ لما فيه من الاستنتاج لسائر بلاد الشرق - بمطالعة هذا الكتاب الذي لا يمكن أن ينسب إلى مؤلفه التعصب لليابان، على أنني رأيته في الجملة مطابقا لتواريخ ألفها علماء يابانيون متخصصون في التاريخ، وهذه التواريخ مترجمة من اليابانية إلى الإفرنسية، ولا بد لي في هذه العجالة من نقل بعض فقر من تاريخ لا مازليير المذكور، قال في أثناء الكلام على تمدن اليابان العصري وخروج هذه الأمة من عزلتها القديمة ما يلي:

فبدأت اليابان تستعير من أوروبة وأمريكا قسما من مدنيتهما المادية، ومن نظامهما العسكري، ومن مباحث تعليمهما العام، ومن سياستهما المالية، فكان المجددون يجتهدون في أن يقتبسوا من كل شعب ما يرونه الأحسن عنده، فكان ذلك مشروع تجديد وهدم وإعادة بناء، وظهرت آثار ذلك في جميع مناحي الحياة اليابانية.

ثم تكلم على الحرب اليابانية الصينية، وانتهى إلى قوله الذي نترجمه ترجمة حرفية:

إن ظفر اليابان بالصين لم يثبت علو الأفكار والمبادئ العلمية التي أخذتها اليابان عن الغرب وكفى، بل أثبت أمرا آخر وهو أن شعبا آسيويا بمجرد إرادته وعزيمته عرف أن يختار ما رآه الأصلح له من مدنية الغرب (تأمل جيدا) مع الاحتفاظ باستقلاله وعقليته وآدابه وثقافته. ا.ه.

وقبلا كنت نشرت في الجرائد - وما نشرته لم يكن إلا نقطة من غدير - خلاصة الحفلات التي أقامها اليابانيون لتتويج عاهلهم منذ سنتين، وكيف استمرت مراسم هذا الاحتفال مدة شهر، وكانت بأجمعها دينية، وكيف أن الميكادر هو كاهن الأمة الأعظم، وكيف أنه من سلالة الآلهة (الشمس) وكيف اغتسل في الحمام المقدس المحفوظ من ألفي سنة، وكيف أكل مع الآلهة الأرز المقدس الذي زرعته الدولة تحت إشراف الكهنة؛ حتى يكون تام القدسية لا شبهة فيه، وكيف كان ثمة في الحفل ستماية ألف ياباني وكلهم يهتفون ليحيا الميكادو عشرة آلاف سنة، إلى غير ذلك.

| هوامش

| لماذا لا نسمي اليابان وأوروبا رجعية بتدينهما

فلماذا، يا ليت شعري، تتقدم اليابان هذا التقدم السريع المدهش وتصير هذه الأمة أمة عصرية يضرب برقيها المثل وهي تضرب بأعراقها إلى عقائد وعادات ومنازع مضى عليها ألفا سنة، ويكون إمبراطورها هو كاهنها الأعظم، ولا يقال عنها: (رجعية) و(مرتجعة) و(ارتجاعية) ومتأخرة ومتقهقرة (فإن كانت اليابان رجعية فمرحى بالرجعية).

لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ص ١٨