تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن الدانمرك وبلاد الإسكنديناف وهولاندة فروع من الشجرة الألمانية لا مراء في ذلك، لكنهم لا يريدون الاندماج في الألمان ولا العدول عن قومياتهم، وبقي «التشيك» مئتين من السنين تحت حكم الألمان وبقوا تشيكا، واستأنفوا بعد الحرب العامة استقلالهم السياسي، بعد أن حفظوا لسانهم واستقلالهم الجنسي مدة خمسة قرون.

وقد هذب الألمان أمة المجر وعلموهم ورقوهم، ولكنهم لم يتمكنوا من إدماجهم في الألمانية، فتجدهم أحرص الأمم على لغتهم المغولية الأصلية، وعلى قوميتهم المجرية.

ولبثت الروسية العظيمة من مئتين إلى ثلاث مئة سنة تحاول إدخال بولونية في الجنس الروسي وحمل البولونيين على نسيان قوميتهم الخاصة؛ بحجة أن العرق السلافي يجمع بين البولونيين والروس، ففشلت جميع مساعيها في إدماج البولونيين فيها، وعاد هؤلاء بعد الحرب العامة أمة مستقلة في كل شيء؛ وذلك لأنهم لم يتخلوا طرفة عين عن قوميتهم.

وليس من العجيب أن لا تريد أمة عددها 30 مليونا الاندماج في غيرها، ولكن الاستوانيين وهم مليونان فقط انفصلوا عن الروسية، ولم يقبلوا الاندماج فيها، وأحيوا استقلالهم ولسانهم المغولي الأصل وجعلوا له حروفا هجائية، ومثلهم أهالي فنلاندة المنفصلون عن الروسية أيضا.

وقد خابت مساعي الروس في إدماج الليتوانيين - من هذه الأمم البلطيكية - في الجنس الروسي، وانتفضوا بعد الحرب العامة أمة مستقلة كما كانوا مستقلين قوميا، وجميعهم أربعة ملايين، وأقل منهم جيرانهم الليتونيون

15

الذين هم مليونان لا غير، ومع هذا قد انفصلوا بعد الحرب وأسسوا جمهورية كسائر الجمهوريات البلطيكية؛ لأنهم من الأصل لبثوا محافظين على لغتهم وجنسهم.

وقد عجز الروس من جهة كما عجز الألمان من جهة أخرى عن إدخال هذه الأقوام في تراكيبهم القومية العظيمة؛ لأن كل شعب مهما كان صغيرا لا يرضى بإنكار أصله ولا بالنزول عن استقلاله الجنسي.

وقد حفظ الكرواتيون استقلالهم الجنسي مع إحاطة أمتين كبيرتين بهم؛ هم: اللاتين، والجرمان.

وحفظ الصربيون استقلالهم الجنسي مع سيادة الترك عليهم منذ قرون.

ولم يزل الأرناءوط أرناءوطا منذ عهد لا يعرف بدؤه وهم بين أمتين كبيرتين: اليونان، والصقالبة؛ أي السلاف!

وكذلك البلغار أبوا إلا أن يبقوا بلغارا فيما بين الروم والسلاف واللاتين، ثم جاءهم الترك فتعلموا التركية لكنهم بقوا بلغارا.

ولا أريد أن أخرج في الاستشهاد عن أوروبة؛ لأني إن خرجت عن أوروبة قالت تلك الفئة الجاحدة: نحن لا نريد أن نجعل قدوة لنا أمما متأخرة مثلنا.

فالأمم التي استشهدنا الآن بها كلها أوروبية، وكلها متعلمة راقية، وكلها ذوات بلدان ممدنة منظمة؛ وكلها عندها الجامعات والأكادميات والجمعيات العلمية والجيوش والأساطيل ... إلخ.

العبرة للعرب وسائر المسلمين برقي اليابانيين

ولكني أخرج من أوروبة إلى اليابان فقط؛ لأن رقي اليابان يضارع الرقي الأوروبي، وقد تم لليابان كما تم رقي أوروبة للأوروبيين؛ أي في ضمن دائرة قوميتهم ولسانهم وآدابهم وحريتهم ودينهم وشعائرهم ومشاعرهم وكل شيء لهم.

فأنقل إلى القراء العرب فقرة من رسالة طويلة جاءت من مراسل أوروبي سائح في اليابان وظهرت في جريدة «جرنال دوجنيف» بتاريخ 20 أكتوبر (1931) فإنه يقول:

إن الياباني يحب الفن قبل كل شيء، وإن رأيته ساعيا في كسب المال فلأجل إن يلذذ بالمال أهواءه المنصرفة إلى الحسن والجمال، وقد انتقش في صفحة نفسه الشعور القومي الشديد عدا الميل إلى الجمال؛ لأنه يفتخر بكون اليابان في مدة ستين سنة فقط صارت من طور أمة في القرون الوسطى إقطاعية الحكم إلى أمة عظيمة من أعظم الأمم، ومما لا ريب فيه أن الديانة اليابانية هي ذات دور عظيم في سياسة اليابان (ليتأمل القارئ) وهي في الحقيقة فلسفة مبنية على الاعتراف بكل ما تركه القدماء لسلائلهم، فالياباني العصري قد ائتلف مع جميع احتياجات الحياة العصرية، لكن مع حفظ الميل الدائم إلى الرجوع إلى ماضيه ومع التمسك الشديد بقوميته، غير مجيب نداء التفرنج (وفي الأصل التغرب

لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ص ١٧