تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10

وعلة العلل في ضعف المسلمين ذلك اليوم هو الجبن والبخل، صريح ذلك في قوله

صلى الله عليه وسلم : «من حبكم الدنيا وكراهيتكم الموت».

11

ومن المعلوم أن الإفراط في حب الدنيا يحرم الإنسان التمتع بها، وأن الغلو في المحافظة على الحياة تكون عاقبته زيادة التعرض للهلاك

12

هذه هي من سنن الله في خلقه أو من النواميس الطبيعية كما يقال في هذا العصر، فالقرآن يأمر المسلم بأن يحتقر الحياة والمال وكل عزيز في سبيل الله، ويأمر المسلم أن يثبت ولا ييأس، وأن يصبر ولا يتزلزل مهما أصيب، وتراه يقول:

وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين .

13

هكذا يريد الله ليكون المسلمون، فإن لم يكونوا هكذا بصريح نص القرآن، فكيف يستنجزون الله عداته بالنصر والتمكين والسعادة والتأمين؟!

ضياع الإسلام بين الجامدين والجاحدين

ومن أكبر عوامل انحطاط المسلمين الجمود على القديم، فكما أن آفة الإسلام هي الفئة التي تريد أن تلغي كل شيء قديم، بدون نظر فيما هو ضار منه أو نافع، كذلك آفة الإسلام هي الفئة الجامدة التي لا تريد أن تغير شيئا، ولا ترضى بإدخال أقل تعديل على أصول التعليم الإسلامي؛ ظنا منهم بأن الاقتداء بالكفار كفر، وأن نظام التعليم الحديث من وضع الكفار.

فقد أضاع الإسلام جاحد وجامد.

أما الجاحد فهو الذي يأبى إلا أن يفرنج المسلمين وسائر الشرقيين ويخرجهم عن جميع مقوماتهم ومشخصاتهم، ويحملهم على إنكار ماضيهم، ويجعلهم أشبه بالجزء الكيماوي الذي يدخل في تركيب جسم آخر كان بعيدا فيذوب فيه ويفقد هويته، وهذا الميل في النفس إلى إنكار الإنسان لماضيه واعترافه بأن آباءه كانوا سافلين، وأنه هو يريد أن يبرأ منهم لا يصدر إلا عن الفسل الخسيس، الوضيع النفس، أو عن الذي يشعر أنه في وسط قومه دنيء الأصل، فيسعى هو في إنكار أصل أمته بأسرها؛ لأنه يعلم نفسه منها بمكان خسيس ليس له نصيب من تلك الأصالة، وهو مخالف لسنن الكون الطبيعية التي جعلت في كل أمة ميلا طبيعيا للاحتفاظ بمقوماتها ومشخصاتها؛ من لغة وعقيدة وعادة وطعام وشراب وسكنى وغير ذلك إلا ما ثبت ضرره.

14

محافظة الشعوب الإفرنجية على قوميتها

فلننظر إلى أوروبة - لأنها هي اليوم المثل الأعلى في ذلك - فنجد كل أمة فيها تأبى أن تندمج في أمة أخرى، فالإنكليز يريدون أن يبقوا إنكليزا، والإفرنسيس يريدون أن يبقوا إفرنسيسا، والألمان لا يريدون أن يكونوا إلا ألمانا، والطليان لا يرضون أن يكونوا إلا طليانا، والروس قصارى همهم أن يكونوا روسا، وهلم جرا.

ومما يزيد هذا المثال تأثيرا في النفس أن الأيرلنديين مثلا أمة صغيرة مجاورة للإنكليز، وقد بذل هؤلاء جميع ما يتصوره العقل من الجهود ليدمجوهم في سواهم مدة تزيد عن سبع مئة سنة، فأبوا أن يصيروا إنكليزا ولبثوا أيرلنديين بلسانهم وعقيدتهم وأذواقهم وعاداتهم.

وفي فرنسة نفسها تأبى أمة «البريتون» إلا أن تحافظ على أصلها، وفي جنوبي فرنسة جيل يقال لهم «الباشكنس» احتفظوا بقوميتهم تجاه القوط، ثم تجاه العرب، ثم تجاه الإسبان، ثم تجاه الفرنسيس، وجميعهم مليون نسمة، وهم لا يزالون على لغتهم وزيهم وعاداتهم وجميع أوضاعهم.

والفلمنك يأبون أن يجعلوا اللغة الإفرنسية لغتهم والثقافة الإفرنسية ثقافتهم، ولم يزالوا يصيحون في بلجيكا حتى اضطرت دولة بلجيكا إلى الاعتراف بلغتهم لغة رسمية.

وفي سويسرة ثلاثة أقسام: القسم الألماني وهو مليونان وثمان مئة ألف، والقسم المتكلم بالطليانية وهو أكثر قليلا من مئتي ألف، والقسم المتكلم باللغة الفرنسية، وكل قسم منها يحافظ على لغته وقوانينه ومنازعه مع أنهم كلهم متحدون في مصالحهم السياسية وهم يعيشون في مملكة واحدة.

لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ص ١٦