وكان حقا علينا نصر المؤمنين .
5
كأن القرآن ضمن للمؤمنين النصر بدون عمل وبلا كسب ولا جهاد بالأموال والأنفس، بل بمجرد قولنا: إننا مسلمون، أو بمجرد الدعاء والتسبيح؟ وأغرب من ذلك بمجرد الاستغاثة بالأولياء، فأصبح الكثير من المسلمين، وهم عزل من السلاح الحديث، وهم غير مجهزين بالعلم اللازم لاستعماله لا يقومون للقليل من الإفرنج المسلحين المجهزين، وصاروا إذا التقى الجمعان تدور الدائرة في أغلب الأحيان على المسلمين، فتوالى هذا الأمر عليهم مدة طويلة إلى أن فقدوا كل ثقة بنفوسهم، واستولى عليهم القنوط، ودب فيهم الرعب، وألقوا بأنفسهم إلى العدو، وبعد أن كانوا مسلمين، صاروا مستسلمين، وقد ذهلوا عن قوله تعالى:
ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين * إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس .
6
ونسوا أنه لا يجوز أن يتطرق اليأس إلى قلب أحد؛ لا عقلا ولا شرعا، ولا سيما المسلم الذي يخبره دينه بأن اليأس هو الكفر بعينه، وغفلوا عن قوله تعالى في سلفهم:
الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء
الآيات.
7
فنجدهم إذا استنهضتهم لمعاونة قوم منهم يقاتلون دولة أجنبية تريد لتمحوهم كان أول جواب لهم: أية فائدة من بذل أموالنا في هذا السبيل وتلك الدولة غالبة لا محالة؟! ولو تأملوا لوجدوا أن الاستسلام لا يزيدهم إلا ويلا، ولا يزيد العدو إلا استبدادا وجبروتا؛ سنة الله في خلقه، ولو فكروا قليلا لرأوا أن هذا الشح بالمال على إخوانهم الذين في مواطن الجهاد لم يكن توفيرا وإنما كان هو الفقر بعينه؛ لأن الأمة المستضعفة لا تعود حرة في تجارتها واقتصادياتها، بل يمتص العدو الغالب عليها كل ما فيه علالة رطوبة في أرضها، ولا يترك للأمة المستضعفة إلا عظاما يتمششونها، من قبيل «قوت لا يموت» وكثيرا ما تحصل مساغب ويموتون جوعا كما يقع كثيرا في جزائر الغرب والهند وغيرهما، ترى المجاعات واقعة في الهند ولا يموت منها ولا إنكليزي، وتراها تشتد في الجزائر ولا يموت بها إلا المسلم،
8
وما السبب في ذلك إلا أن الأجانب قد استأثروا بخيرات البلاد، ولم يتركوا للمسلمين إلا الفقر، فقام المسلمون اليوم يعتذرون عن عدم بذل الأموال لمساعدة إخوانهم بعدم وجودها، وهذا صحيح إلى حد محدود؛ وذلك أنهم بخلوا بها في الأول فجنوا من بخلهم على الجهاد الذل والخنوع أولا، والفقر والجوع ثانيا، فإن من سنن الله في أرضه أن الذل يردفه الفقر، وأن العز يردفه الثراء، والمثل العربي يقول: من عز بز، والشاعر العربي الإيادي يقول:
لا تذخروا المال للأعداء إنهم
إن يظهروا يأخذوكم والتلاد معا
هيهات لا خير في مال وفي نعم
قد احتفظتم بها إن أنفكم جدعا
والمتنبي يقول:
فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله
ولا مال في الدنيا لمن قل مجده
فالمسلمون عز عليهم المال ففقدوه، وعزت عليهم الحياة ففقدوها، وأبى الله إلا تصديق كلام النبي المحوى إليه حيث يقول: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على القصاع»، قالوا أومن قلة فينا يومئذ يا رسول الله؟ قال: «لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل يجعل الوهن في قلوبكم وينزع من قلوب أعدائكم، من حبكم الدنيا، وكراهيتكم الموت».
هذا الحديث رواه لي الشيخ محمد بن جعفر الكناني الفاسي - رحمه الله - يوم لقيته في المدينة المنورة منذ خمس وعشرين سنة، ثم قرأته في الكتب، واستشهدت به في مقدمة حاضر العالم الإسلامي، وألفاظه تختلف في رواية عن رواية، فالأستاذ صاحب المنار أمتع الله بطول حياته هو الأدرى بأصح رواياته
9
ومعناه ظاهر وهو: أن المسلمين يأتي عليهم يوم يصيرون فيه مأكلة، وتمتد إليهم الأيدي من كل جهة، فهذا العصر الذي نحن فيه هو ذلك اليوم، وأن المسلمين لا يكون عيبهم يومئذ قلة، الكثرة بنفسها لا تفيد أن تقترن بجودة النوع والكمية التي لا تغني عن الكيفية،