3
وأنه لا سبيل لمغالبتهم بوجه من الوجوه، وأن كل مقاومة عبث، وأن كل مناهضة خرق في الرأي، ولم يزل هذا التهيب يزداد ويتخمر في صدور المسلمين أمام الأوروبيين إلى أن صار هؤلاء ينصرون بالرعب، وصار الأقل منهم يقومون للأكثر من المسلمين، وهذا بعكس ما كان في العصر الأول:
يرى الجبناء أن الجبن حزم
وتلك خديعة الطبع اللئيم
نسي المسلمون الأيام السالفة التي كان فيها العشرون مسلما لا غير يأتون من (برشلونة) إلى (فراكسية) من سواحل فرنسة ويستولون على جبل هناك، ويبنون به حصنا، ويتزايد عددهم حتى يصيروا مئة رجل فيؤسسون هناك إمارة تعصف ريحها بجنوبي فرنسة وشمالي إيطالية، وتهادنها ملوك تلك النواحي وتخطب ولاءها، وتستولي على رءوس جبال الألب، وعلى المعابر التي عليها الطرق الشهيرة بين فرنسة وإيطالية، لا سيما معبر سان برنار الشهير، وتضطر جميع قوافل الإفرنج أن تؤدي للعرب المكوس لأجل المرور، تتقدم هذه الدولة العربية الصغيرة في بلاد (البيامون) مسافات بعيدة إلى أن تبلغ سويسرة وبحيرة (كونستانزه) في قلب أوروبة، وتضم القسم العالي من سويسرة إلى أملاكها، وتبقى خمسا وتسعين سنة مستولية على هذه الديار إلى أن تتألب الأمم الإفرنجية عليها، ولا تزال تناجزها إلى أن استأصلتها، وكانت تلك العصابة العربية يوم انقرضت لا تزيد على ألف وخمس مئة رجل
4 (وقد نشرنا تفصيل خبرها في المجلد 24 من المنار).
شبهات الجهلاء الجبناء وردها
من السخفاء من يقول: نعم؛ قد كان ذلك، لكن قبل أن يخترع الإفرنج آلات القتال الحديثة، وقبل المدافع والدبابات والطيارات، وقبل أن يصير الإفرنج إلى ما صاروا إليه من القوة المبنية على العلم، وهذا القول هو منتهى السخف والسفه والحماقة، فإن لكل عصر علما وصناعة ومدنية تشاكله، وقد كانت في القرون الوسطى علوم تشاكلها، كما هي العلوم والصناعات والمدنية الحاضرة في هذا العصر، وأمور الخلق كلها نسبية، ولقد كانت في العصر الذي نتكلم عنه آلات قتال ومنجنيقات ودبابات ونيران مركبة تركيبا مجهولا اليوم، وكانت في ذلك الوقت كما هي المدافع والرشاشات وقنابر الديناميت وما أشبه ذلك في هذه الأيام.
على أنه ليست الدبابات والطيارات والرشاشات هي التي تبعث العزائم، وتوقد نيران الحمية في صفوف البشر، بل الحمية والعزيمة والنجدة هي التي تأتي بالطيارات والدبابات والقنابر، وما هذه إلا مواد صماء لا فرق بينها وبين أي حجر، فالمادة لا تقدر أن تعمل شيئا من نفسها، وإنما الذي يعمل هو الروح، فإذا هبت أرواح البشر وتحركت عزائمهم فعند ذلك نجد الدبابات والطيارات والرشاشات والغواصات وكل أداة قتال ونزال على طرف التمام.
يقولون: إلا أن هذا ينبغي له العلم الحديث، وهذا العلم مفقود عند المسلمين، فلذلك أمكن الإفرنج ما لم يمكنهم. (والجواب): أن العلم الحديث أيضا يتوقف على الفكرة والعزيمة، ومتى وجدت هاتان وجد العلم الحديث ووجدت الصناعة الحديثة، أفلا ترى أن اليابان إلى حد سنة 1868 كانوا أمة كسائر الأمم الشرقية الباقية على حالتها القديمة، فلما أرادوا اللحاق بالأمم العزيزة تعلموا علوم الأوروبيين، وصنعوا صناعاتهم، واتسق لهم ذلك في خمسين سنة، وكل أمة من أمم الإسلام تريد أن تنهض وتلحق بالأمم العزيزة يمكنها ذلك وتبقى مسلمة ومتمسكة بدينها، كما أن اليابانيين تعلموا علوم الأوروبيين كلها وضارعوهم ولم يقصروا في شيء عنهم ولبثوا يابانيين ولبثوا متمسكين بدينهم وأوضاعهم، وأيضا فمتى أرادت أمة مسلمة أدوات أو أسلحة حديثة ولم تجدها؟ إن ملاك الأمر هو الإرادة؛ فمتى وجدت الإرادة وجد الشيء المراد.
فلو أن أمة من أمم الإسلام أرادت أن تتسلح لوجدت السلاح الحديث اللازم بأنواعه وأشكاله من ثاني يوم، ولكن اقتناء السلاح ينبغي له سخاء بالأموال، وهم لا يريدون أن يبذلوا، ولا أن يقتدوا بالإفرنج واليابان في البذل، بل يريدون النصرة بدون سلاح وعتاد، أو السلاح والعتاد بدون بذل أموال، وإذا تغلب العدو عليهم من بعد ذلك صاحوا قائلين: أين المواعيد التي وعدنا إياها القرآن في قوله: