| هوامش
الفصل الثالث
| نظرة إجمالية
إن أسبانية والبرتغال ليستا على وجه الإجمال معروفتين حق المعرفة عند الناس ومهما اتسعت المعلومات عنهما فالناس تعلم عن أكثر البلدان الأوربية ما لا تعلمه عنهما، لأن الممالك المعدودة كأنموذجات للمدنية الحاضرة، والعواصم التي يقصد إليها السياح لأجل الفرجة والاستشفاء أو البحث. ويؤمها الطلبة لأجل تحصيل العلوم، ليست في أسبانية ولا في البرتغال، وإذا رجعنا إلى طبيعة الأرض، وبداعة المناظر فليس في الجزيرة الأيبيرية في الحقيقة من تنوع المناظر الساحرة ما في إيطالية مثلا، كما أن السائح لا يرى فيها تلك المروج الزمردية، والبحيرات اللطيفة، والجبال الشامخة، المعممة بالثلج، ولا مسارح اللمحات التي يراها في سويسرة، ولكن مما لا جدال فيه أن مواقع معدودة من أسبانية والبرتغال تعد من أبدع مواقع العالم، وأنها المثل الأعلى من جهة الجنان والبساتين.
أما من جهة المدنية فهي في جنوبي أسبانية راجعة إلى أشد أدوار التاريخ توغلا في القدم، وقد كان للفينقيين في هذه البلاد دور طويل عريض، وقد أثروا فيها آثارا لا تزال بقاياها ماثلة إلى الآن، ثم جاء الرومانيون، وكانت لهم طبيعة عمرانية معروفة لهم شرقا وغربا، فوجدوا مجال العمل في أسبانية ذا سعة، فعملوا، وبنوا، وأثروا، وأثلوا، وتركوا آثارا ناطقة بفضلهم، وجسورا وأقنية معلقة منبئة عن شأوهم، وملاهي وهياكل، كالتي في ماردة، وطركونة، ومربيطر، وغيرها مما لا يدرسه الزمان، ولا ينال منه الحدثان.
وجاء بعد ذلك العرب فأثلوا في الجزيرة الأيبيرية، أو الجزيرة الأندلسية على رأيهم، حضارة عربية شرقية بلغت من الأبهة، والفراهة، وسلامة الذوق، سدرة المنتهى، فلا تكاد تمر بمكان إلا للعرب فيه آثار باهرة، وعنهم أخبار تتحدث بها السامرة، ولا يزال نظام سقيا الجنان، وتوزيع المياه على الأرضين، هو النظام الذي رتبوه في أيامهم، ثم إنه لا ينكر أن الفن المسيحي، سواء في القرون الوسطى، أو من بعد عهد النهضة
Renaissance
قد ترك في أسبانية آثارا فاخرة، ومباني فخمة، كقصر الإسكوربال مثلا.
فالذين يقصدون إلى أسبانية من السياح لا تخيب آمالهم، ولا تذهل نفقاتهم سدى، وذلك لأن السائح الأوربي يجد دائما في أسبانية أشياء جديدة بالنسبة إليه.
فالبلاد كلها عبارة عن جزيرة يحيط بها البحر من جهاتها الثلاث، وتحيط بها جبال البرانس الشامخة من الجهة الرابعة، فهي معتزلة في مكانها، منتبذة من أوروبا زاوية خاصة بها، غير متأثرة بغيرها، محتفظة بجميع مميزاتها وخصائصها، لا هي شرقية تماما، ولا هي غربية تماما، بل هي متوسطة بين أوروبا وأفريقية، واصلة بين المشرق والمغرب، منطوية في أحناء وجودها هذا المستقل على أسرار لا يعرفها إلا من أكثر من التجوال فيها، وقرن السير بالنظر.
وهناك شعب شديد الخنزوانة قائم بذاته، لا يشبه غيره، ولا يريد أن يتشبه بغيره، وله مآخذ ومتارك لا ينزل عنها، وهو بفطرته لا يحب تقليد الشعوب الأخرى، بل هو من قديم الزمان مستمسك بأوضاعه، متعال عن السير وراء أقرانه، لا يرضى بما لديه بدلا، ولا يبتغي عما ائتلفه حولا.
نعم من جهة الصناعة وفن الرسم والتصوير قد يقلد الأسبانيول سواهم، بل يجد الناظر في كنائسهم وقصورهم آثارا للفن الإيطالي، الذي يدور على محاكاة الطبيعة. وكذلك يجد في رسومهم وتصاويرهم تأثير الفن الإفرنسي، والفلمنكي، بل ليس في أسبانية فن تصوير خاص بها، ولا فن بناء خاص بها، وإنما هي محاكاة للأمم الغربية الأخرى مع جزء فيها من الطبع الأسباني. وإذا كان السائح الأوربي لم يعرف بلاد الشرق، أو لم يقيض له أن يزور بلاد الإسلام، فإنه يجد في أسبانية آثارا عربية، تكفيه لأخذ صورة حقيقية عن المدنية الإسلامية، التي منها في الأندلس أمثلة كافية، وقطع تعد من أنفس وأرقى ما تركه العرب من الآثار في الأرض.