تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما السائح الشرقي فإنه يقضي سياحته في أسبانية متأملا، غائصا في بحار العبر هائما في أودية الفكر. كلما عثر على أثر عربي خفق له قلبه، واهتزت أعصابه، وتأمل في عظمة قومه الخالين، وما كانوا عليه من بعد نظر، وعلو همم، وسلامة ذوق، ورفق يد، ودقة صنعة. وكيف سمت بهم هممهم إلى أن يقوموا بتلك الفتوحات في ما وراء البحر في بحبوحة النصرانية، وملتطم أمواج الأمم الأوربية، وأن يبنوا فيها بناء الخالدين ويشيدوا فيها ألوفا من الحصون، وأن يملأوها أساسا وغراسا، كأنهم فيها أبد الآبدين، فلا يزال قلب السائح المسلم في الأندلس مقسما بين الإعجاب بما صنعه آباؤه فيها، والابتهاج بما يعثر عليه من آثارهم، وبين الحزن على خروجهم من ذلك الفردوس الذي كانوا ملكوه، والوجد على ضياع ذلك الإرث الذي عادوا فتركوه، وأكثر ما يغلب عليه في سياحته هناك هو الشعور بالألم، فهو لا يزال يسير بين تأمل وتألم، وتفكر، وتحسر، لكنه يريد مع ذلك أن يقتري هذه الآثار، وأن يمشي في مساكن أولئك الآباء، وأن يخاطب الأحجار، وذلك لأنه لهوى النفوس سرائر لا تعلم، من جملتها أنها تنزع إلى البكاء عند دواعي الوجد، كما ترتاح إلى الطرب عند بواعث السرور، وأنها قد تهتف بالأمرين معا، وتجمع الضدين شرعا، وأن كل ما هو حنين وتذكار، وولوع بعد الأعيان بالآثار، هو من سرائر البشرية، ومما هو غالب على النفس الناطقة. (1) العمران والفن في أسبانية

هذا وإذا حاولنا تحليل الإنشاء العمراني الذي يعول عليه في أسبانية وجدناه ينقسم إلى أربعة أدوار: روماني، وقوطي، وعربي، وأوربي متجدد، فالروماني أعظم آثاره متجلية في مدينة ماردة، قاعدة «لوزيتانيا» التي بناها أغسطس، ففيها الجسر الذي كانت له 81 حنية، وفيها القناتان المعلقتان، وفيها الملهى التمثيلي، وفيها ملهى التمثيل البحري وفيها الملعب العام، وفيها هيكل المريخ الذي تحول فيما بعد كنيسة وفيها قوس النصر الشهيرة، وغير ذلك من المباني الخالدة. وطركونة فيها عدة هياكل وملهى تمثيلي، وملعب وحمامات، وجميعها من أفخم المباني الرومانية التي يقيدها التاريخ لتلك الأمة العظيمة. وسقوبية

Segopice

هي ذات القناة المعلقة التي طولها 818 مترا، منها 266 مترا راكبة على طاقين من الحنايا، الواحد فوق الآخر، عدد قناطرها 119 قنطرة، وهو أكمل وأروع بناء روماني في أسبانيا.

وأما القوطي فأقدم آثاره في «أوبيط»

Oviedo

وهي كنيسة «سان ميكال دولينو»

San Mikal de Lino

من بناء رامير الأول (842-850) وكنيسة «سانتا مارية نارنكو»

Naranco

وغيرهما. وفي برشلونة أديار البندكتيين «سان بابلو دلكمبو»

San Pablo delcampo

و«سان بدرو دولاس بويلاس»

San Pedro de Las Puellas

من أبنية القرن العاشر.

القناة الرومانية المعلقة في شقوبية.

وبعد ذلك لعهد بداية الكرة الأسبانيولية على العرب ظهرت صنعة جديدة في البناء تدل عليها كنائس ذلك الوقت، يكثر في بنائها شكل الصليب، ويقل الزخرف، وتمتاز بالرصانة والمتانة. ومن هذا النوع كنيسة «سانت ياقو دو كومبوستيلا»

De Compostela

التي يرجع بناؤها إلى سنة 1060، وقد امتد إلى سنة 1096 وهي تقليد لكنيسة «سان سرنين» في طلوزة. وعلى نسق هذه الكنيسة بنيت كنيسة «سان إيزيدورو» في ليون بين سنتي 1063 و1149 و«سانتا مرية» في «كورنية» وسان بدرو في وشقة وغيرها. ثم في القرن الثاني عشر بدأوا في أسبانية يقلدون نسق البناء المعروف في فرنسا، ويقال له هناك غوثيق

Gothique

وأصله نسبة إلى القوط، ولكنه ليس بالقوطي الأسبانيولي القديم، فبنيت كنائس في طلمنكة، وطركونة ولاردة، وتطيلة، وآبلة، وسقوبية، على هذا النسق. وقد فاقت في الضخامة جميع ما تقدمها.

وفي مدينة برغش

Burgos

كنيسة كبرى بناها المطران موريسيو سنة 1221 تحتوي مجموعة فنون البناء في الثلاثة الأعصر الأخيرة لذلك العهد. وكان يقال إنها أبدع كنيسة في أسبانية. بناها الأستاذ يوحنا الكولوني

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٨٦