وأهل الأندلس أشد خلق الله اعتناء بنظافة ما يلبسون وما يفرشون، وغير ذلك مما يتعلق بهم، وفيهم من لا يكون عنده إلا ما يقوته يومه، فيطويه صائما، ويبتاع صابونا يغسل به ثيابه، ولا يظهر فيها ساعة على حالة تنبو العين عنها. وهم أهل احتياط وتدبير في المعاش، وحفظ لما في أيديهم، خوف ذل السؤال، فلذلك قد ينسبون للبخل. ولهم مروآت على عادة بلادهم، لو فطن لها حاتم لفضل دقائقها على عظائمه. ولقد اجتزت مع والدي على قرية من قراها، وقد نال منا البرد والمطر أشد النيل، فأوينا إليها وكنا على حال ترقب من السلطان، وخلو من الرفاهية، فنزلنا في بيت شيخ من أهلها من غير معرفة متقدمة فقال لنا: إن كان عندكم ما أشتري لكم به فحما تسخنون به، فإني أمضي في حوائجكم، وأجعل عيالي يقومون بشأنكم، فأعطيناه ما اشترى به فحما. فأضرم نارا، فجاء ابن له صغير ليصطلي، فضربه، فقال له والدي: لم ضربته؟ فقال: يتعلم استغنام أموال الناس، والضجر للبرد من الصغر. ثم لما جاء النوم قال لابنه: أعط هذا الشاب كساءك الغليظة يزيدها على ثيابه. فدفع كساءه إلي. ثم لما قمنا عند الصباح وجدت الصبي منتبها، ويده في الكساء، فقلت ذلك لوالدي فقال: هذه مروآت أهل الأندلس، وهذا احتياطهم أعطاك الكساء وفضلك على نفسه، ثم أفكر في أنك غريب، لا يعرف هل أنت ثقة أو لص، فلم يطب له منام حتى يأخذ كساءه، خوفا من انفصالك بها وهو نائم. وعلى هذا الشيء الحقير فقس الشيء الجليل.
انتهى كلام ابن سعيد في المغرب باختصار يسير. ولله دره، فإنه أبدع في هذا الكتاب ما شاء ، وقسمه إلى أقسام، منها:
كتاب وشي الطرس، في حلي جزيرة الأندلس.
وهو ينقسم إلى أربعة كتب:
الكتاب الأول:
كتاب حلي العرس، في حلي غرب الأندلس.
الكتاب الثاني:
كتاب الشفاه اللعس، في حلي موسطة الأندلس.
الكتاب الثالث:
كتاب الأنس، في حلي شرق الأندلس.
الكتاب الرابع:
كتاب لحظات المريب، في ذكر ما حماه من الأندلس عياد الصليب.
والقسم الثاني:
كتاب الألحان المسلية في حلي جزيرة صقلية. وهو أيضا ذو أنواع.
والقسم الثالث:
كتاب الغاية الأخيرة في حلي الأرض الكبيرة. وهو أيضا ذو أقسام. وصور رحمه الله تعالى أجزاء الأندلس في كتاب وشي الطرس. وقال أيضا: إن كلا من شرق الأندلس وغربها ووسطها يقرب في قدر المساحة بعضه من بعض، وليس فيها جزء يجاوز طوله عشرة أمتار ليصدق التثليث في القسمة، وهذا دون ما بقي بأيدي النصارى. وقدم رحمه الله كتاب حلي العرس، في حلي غرب الأندلس، لكون قرطبة قطب الخلافة المروانية، وأشبيلية التي ما في الأندلس أجمل منها فيه. وقسمه إلى سبعة كتب، كل كتاب منها يحتوي على مملكة منحازة عن الأخرى:
الكتاب الأول:
كتاب الحلة المذهبة، في حلي مملكة قرطبة.
الكتاب الثاني:
كتاب الذهبية الأصيلية، في حلي المملكة الأشبيلية.
الكتاب الثالث:
كتاب خدع الممالقة، في حلي مملكة مالقة.
الكتاب الرابع:
كتاب الفردوس، في حلي مملكة بطليوس.
الكتاب الخامس:
كتاب الخلب، في حلي مملكة شلب.
الكتاب السادس:
كتاب الديباجة، في حلي مملكة باجة.
الكتاب السابع:
كتاب الرياض المصونة، في حلي مملكة أشبونة.
وقد ذكر رحمه الله تعالى في كل قسم ما يليق به، وصور أجزاءه على ما ينبغي. فالله يجازيه خيرا، والكلام في الأندلس طويل عريض.
وقال بعض المؤرخين: طول الأندلس ثلاثون يوما، وعرضها تسعة أيام، ويشقها أربعون نهرا كبارا، وبها من العيون والحمامات والمعادن ما لا يحصى، وبها ثمانون مدينة من القواعد الكبار، وأزيد من ثلثمائة من المتوسطة، وفيها من الحصون والقرى والبروج ما لا يحصى كثرة، حتى قيل إن عدد القرى التي على نهر أشبيلية اثنا عشر ألف قرية. وليس في معمور الأرض صقع يجد المسافر فيه ثلاث مدن وأربعا من يومه إلا بالأندلس.