تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقراءة القرآن

666

بالسبع ورواية الحديث عندهم رفيعة، وللفقه رونق ووجاهة ولا مذهب لهم إلا مذهب مالك،

667

وخواصهم يحفظون من سائر المذاهب ما يباحثون به بمحاضر ملوكهم ذوي الهمم في العلوم. وسمة الفقيه عندهم جليلة، حتى أن المسلمين كانوا يسمون الأمير العظيم منهم الذي يريدون تنويهه بالفقيه، وهي الآن بالمغرب بمنزلة القاضي بالمشرق، وقد يقولون للكاتب والنحوي واللغوي فقيه، لأنها عندهم أرفع السمات.

668

وعلم الأصول عندهم متوسط الحال. والنحو عندهم في نهاية من علو الطبقة، حتى أنهم في هذا العصر فيه منهم كأصحاب عصر الخليل وسيبويه، لا يزداد مع هرم الزمان إلا جدة، وهم كثيرو البحث فيه وحفظ مذاهبه، كمذاهب الفقه. وكل عالم في أي علم لا يكون متمكنا من علم النحو، بحيث لا تخفى عليه الدقائق، فليس عندهم بمستحق للتمييز، ولا سالم من الازدراء، مع أن كلام أهل الأندلس الشائع في الخواص والعوام كثير الانحراف عما تقتضيه أوضاع العربية، حتى لو أن شخصا من العرب سمع كلام الشلوبيني أبي علي المشار إليه بعلم النحو في عصرنا الذي غربت تصانيفه وشرقت، وهو يقرئ درسه، لضحك بملء فيه، من شدة التحريف الذي في لسانه . والخاص منهم إذا تكلم بالإعراب وأخذ يجري على قوانين النحو استثقلوه واستبردوه،

669

ولكن ذلك مراعى عندهم في القراءات والمخاطبات في الرسائل. وعلم الأدب المنثور من حفظ التاريخ والنظم والنثر، ومستظرفات الحكايات، أنبل علم عندهم، وبه يتقرب من مجالس ملوكهم وأعلامهم ومن لا يكون فيه أدب من علمائهم فهو غفل مستثقل. والشعر عندهم له حظ عظيم وللشعراء من ملوكهم وجاهة، ولهم عليهم حظ ووظائف، والمجيدون منهم ينشدون في مجالس عظماء ملوكهم المختلفة، ويوقع لهم بالصلات على أقدارهم، إلا أن يختل الوقت، ويغلب الجهل في حين ما، ولكن هذا الغالب. وإذا كان الشخص بالأندلس نحويا أو شاعرا فإنه يعظم في نفسه لا محالة، ويستخف ويظهر العجب، عادة قد جبلوا عليها.

وأما زي أهل الأندلس فالغالب عليهم ترك العمائم، لا سيما في شرق الأندلس، فإن أهل غربها لا تكاد ترى فيهم قاضيا ولا فقيها مشارا إليه إلا وهو بعمامة. وقد تسامحوا بشرقها في ذلك، ولقد رأيت عزيز بن خطاب أكبر عالم بمرسية حضرة السلطان في ذلك الأوان، وإليه الإشارة، وقد خطب له بالملك في تلك الجهة؛ وهو حاسر الرأس، وشيبه قد غلب على سواد شعره.

وأما الأجناد وسار الناس فقليل منهم من تراه بعمة، في شرق منها أو في غرب وابن هود الذي ملك الأندلس في عصرنا، رأيته في جميع أحواله ببلاد الأندلس وهو دون عمامة، وكذلك ابن الأحمر الذي معظم الأندلس الآن في يده، وكثيرا ما يتزيا سلاطينهم وأجنادهم بزي النصارى المجاورين لهم،

670

فسلاحهم كسلاحهم، وأقبيتهم في الأشكرلاط وغيره كأقبيتهم، وكذلك أعلامهم وسروجهم. ومحاربتهم بالتراس والرماح الطويلة للطعن، ولا يعرفون الدبابيس، ولا قسي العرب، بل يعدون قسي الإفرنج للمحاصرات في البلاد، أو تكون للرجالة عند المصافقة للحرب، وكثير ما تصبر الخيل عليهم أو تمهلهم لأن يؤثروها.

ولا تجد في خواص الأندلس وأكثر عوامهم من يمشي دون طيلسان، إلا أنه لا يضعه على رأسه منهم إلا الأشياخ المعظمون. وغفائر الصوف كثيرا ما يلبسونها حمرا وخضرا، والصفر مخصوصة باليهود، ولا سبيل ليهودي أن يتعمم البتة. والذؤابة لا يرخيها إلا العالم، ولا يصرفونها بين الأكتاف، وإنما يسدلونها من تحت الأذن اليسرى، وهذه الأوضاع التي بالمشرق في العمائم لا يعرفها أهل الأندلس، وإن رأوا في رأس مشرقي داخل إلى بلادهم شكلا منها أظهروا التعجب والاستظراف، ولا يأخذون أنفسهم بتعليمها، لأنهم لم يعتادوا ولم يستحسنوا إلا أوضاعهم. وكذلك في تفصيل الثياب.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٧٢