ومن بركتها أن المسافر لا يسافر فيها فرسخين دون ماء أصلا. وحيثما سار في الأقطار يجد الحوانيت في الفلوات والصحاري والأودية ورؤس الجبال لبيع الخبز والفواكه والجبن واللحم والحوت وغير ذلك من ضروب الأطعمة.
وذكر صاحب الجغرافيا أن جزيرة الأندلس مسيرة يوما طولا، في ثمانية عشر يوما عرضا، وهو مخالف لما سبق. وقال ابن سيده:
أخذت الأندلس في عرض الإقليمين الخامس والسادس من البحر الشامي في الجنوب، إلى البحر المحيط في الشمال، وبها من الجبال سبعة وثمانون جبلا. ا.ه.
ولبعضهم:
لله أندلس وما جمعت بها
من كل ما ضمت لها الأهواء
فكأنما تلك الديار كواكب
وكأنما تلك البقاع سماء
وبكل قطر جدول في جنة
ولعت به الأفياء والأنداء
وقال آخر:
حبذا أندلس من بلد
لم تزل تنتج لي كل سرور
طائر شاد، وظل وارف
ومياه سابحات في قصور
وقال آخر:
يا حسن أندلس وما جمعت لنا
فيها من الأوطار والأوطان
تلك الجزيرة لست أنسى حسنها
بتعاقب الأحيان والأزمان
نسج الربيع نباتها من سندس
موشية ببدائع الألوان
وغدا النسيم بها عليلا هائما
بزيوعها، وتلاطم البحران
يا حسنها والطل ينثر فوقها
دررا خلال الورد والريحان
وسواعد الأنهار قد مدت إلى
ندمائها بشقائق النعمان
وتجاوبت فيها شوادي طيرها
والتفت الأغصان بالأغصان
ما زرتها إلا وحياني بها
حدق البهار وأنمل السوسان
من بعدها ما أعجبتني بلدة
مع ما حللت به من البلدان
وحكى بعضهم أن بالجامع في مدينة أقليش بلاطا فيه جوائز منشورة مربعة مستوية الأطراف، طول الجائزة منها مائة شبر وأحد عشر شبرا. وفي الأندلس جبل من شرب من مائة كثر عليه الاحتلام من غير إرادة ولا تفكر، وفيها غير ذلك مما يطول ذكره. والله أعلم. انتهى. (6) ما قاله المسعودي في مروج الذهب عن الأندلس
وصاحب الأندلس كان يدعى لذريق، هذا كان اسم ملوك الأندلس، وقد قيل إنهم كانوا من الأسبان، وهم أمة من ولد يافث ابن نوح ، واتصلت هنالك، والأشهر عند من سكن الأندلس من المسلمين أن لذريق كان من ملوك الأندلس الجلالقة، وهم نوع من الإفرنجة، وأخو لذريق الذي كان بالأندلس قتله
671
طارق مولى موسى بن نصير حين افتتح بلاد الأندلس، ودخل إلى مدينة طليطلة، وكانت قصبة الأندلس ودار مملكتهم، ويشقها نهر عظيم تاجه، يخرج من بلاد الجلالقة «والوسقيد»
672
وهي أمة عظيمة، لهم ملوك، وهم حرب لأهل الأندلس كالجلالقة والإفرنجة. ويصب هذا النهر في البحر الرومي
673
وهو موصوف بأنه من أنهار العالم، وعليه على بعد من طليطلة قنطرة عظيمة تدعى قنطرة السيف، بنتها الملوك السالفة، وهي من البنيان المذكور والموصوف، أعجب من قنطرة سنجة
674
من الثغر الجزري، مما يلي سميساط من بلاد سرحة.
ومدينة طليطلة ذات منعة، وعليها أسوار منيعة، وأهلها بعد أن فتحت وصارت لبني أمية قد كانوا عصوا على الأمويين، فأقامت مدة سنين ممتنعة، لا سبيل للأمويين إليها فلما كان بعد الخمس عشرة وثلثماية، فتحها عبد الرحمن بن محمد ابن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام ابن عبد الملك بن مروان بن الحكم، وعبد الرحمن هذا هو صاحب الأندلس في هذا الوقت،
675
وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، وقد كان غير كثيرا من بنيان هذه المدينة حين افتتحها. وصارت دار مملكة الأندلس قرطبة إلى هذا الوقت.
ومن قرطبة إلى مدينة طليلطلة نحو من سبع مراحل، ومن قرطبة إلى البحر مسيرة نحو من ثلاثة أيام، ولهم على بحر تونس من الساحل مدينة يقال لها أشبيلية.
وبلاد الأندلس مسيرة عمائرها ومدنها نحو من شهرين، ولهم من المدن الموصوفة نحو من أربعين مدينة. وتدعى بنو أمية بالخلائف، ولا يخاطبون بالخلفاء، لأن الخلافة لا يستحقها عندهم إلا من كان مالكا للحرمين، غير أنه يخاطب بأمير المؤمنين