ومنها نحوي زمانه وعلامته، أبو محمد عبد الله ابن السيد البطليوسي، فإن شلبا بيضته، ومنها كانت حركته ونهضته، كما في الذخيرة. وهو القائل:
إذا سألوني عن حالتي
وحاولت عذرا فلم يمكن
أقول: بخير، ولكنه
كلام يدور على الألسن
وربك يعلم ما في الصدور
ويعلم خائنة الأعين
وقال الوزير أبو عمرو بن الغلاس يمدح بطليوس بقوله:
بطليوس
631
لا أنساك ما اتصل البعد
فلله غور في جنابك أو نجد
ولله دوحات تحفك ينعا
تفجر واديها كما شقق البرد
وبنو الغلاس من أعيان حضرة بطليوس، وأبو عمرو المذكور أشهرهم، وهو من رجال الذخيرة والمسهب، رحمه الله تعالى. وفي شاطبة
632
يقول بعضهم:
نعم ملقى الرحل شاطبة
لفتى طالت به الرحل
بلدة أوقاتها سحر
وصبا في ذيله بلل
ونسيم عرفه أرج
ورياض غصنها ثمل
ووجوه كلها غرر
وكلام كله مثل
وفي برجة يقول بعضهم:
إذا جئت برجة مستوفزا
فخذ في المقام وخل السفر
فكل مكان بها جنة
وكل طريق إليها سفر
واعلم أنه لو يكن للأندلس من الفضل سوى كونها ملاعب الجياد للجهاد، لكان كافيا، ويرحم الله لسان الدين بن الخطيب، حيث كتب على لسان سلطانه إلى بعض العلماء العاملين ما فيه إشارة إلى بعض ذلك ما نصه: من أمير المسلمين فلان إلى الشيخ كذا ابن الشيخ كذا وصل الله له سعادة تجذبه، وعناية إليه تقربه وقبولا منه يدعوه إلى خير ما عند الله ويندبه، سلام كريم عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد حمد الله المرشد المثيب، السميع المجيب، معود اللطف الخفي، والصنع العجيب المتكفل بإنجاز وعد النصر العزيز والفتح القريب، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله ذي القدر الرفيع والعز المنيع والجناب الرحيب، الذي به نرجو ظهور عبدة الله على عبدة الصليب، ونستظهر منه على العدو بالحبيب، ونعده عدتنا لليوم العصيب، والرضا عن آله وصحبه الذين فازوا بمشاهدته بأوفى النصيب، ورموا إلى هدف مرضاته بالسهم المصيب، فإنا كتبناه إليكم، كتب الله تعالى لكم عملا صالحا يختم الجهاد صحائف بره، وتتمخض لأن تكون كلمة الله هي العليا جوامع أمره، وجعلكم ممن تهنى في الأرض التي فتح فيها أبواب الجنة مدة عمره، من حمراء غرناطة، حرسها الله تعالى، ولطف الله هامي السحاب، وصنعه رائق الجناب، والله يصل لنا ولكم ما عوده من صلة لطفه، عند انبتات الأسباب، وإلى هذا أيها المولى الذي هو بركة المغرب المشار إليه بالبنان، وواحده في رفعة الشأن المؤثر ما عند الله على الزخرف الفتان، المتفلل من المتاع الفان، المستشرف إلى مقام العرفان، من درج الإسلام والإيمان والإحسان، فإننا لما نؤثره من بركم الذي نعده من الأمر الأكيد ونضمره من ودكم الذي نحله محل الكنز العتيد، ونلتمسه من دعائمكم التماس العدة والعديد، لا نزال نسأل عن أحوالكم التي ترقت في أطوار السعادة، ووصلت جناب الحق بهجر العادة، وألقت إلى يد التسليم لله والتوكل عليه بالمقادة، فنسر بما هيأ الله تعالى لكم من القبول وبلغكم من المأمول، وألهمكم من الكلف بالقرب إليه والوصول، والفوز بما لديه والحصول، وعندما رد الله تعالى علينا الرد الجميل، وأنالنا فضله الجزيل، وكان لعثارنا المقيل، خاطبناكم بذلك لمكانكم من ودادنا، ومحلكم من حسن اعتقادنا، ووجهنا إلى وجهة دعائكم وجه اعتدادنا، والله ينفعنا بجميل الظن في دينكم المتين، وفضلكم المبين، ويجمع الشمل بكم في الجهاد عن الدين، وتعرفنا الآن بمن له بأنبائكم اعتناء، وعلى جلالكم حمد وثناء، ولجناب ودكم اعتزاء وانتماء، بتجاول عزمكم بين حج مبرور ترغبون من أجره في ازدياد، وتجدون العهد منه بأليف اعتياد وبين رباط في سبيل الله وجهاد، وتوثير مهاد، بين ربا أثيرة عند الله ووهاد، يحشر يوم القيامة شهداؤها مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ، فرحين بما آتاهم الله من فضله، والله أصدق القائلين الصادقين، حيث لا غارة لعدو الإسلام تتقى، إلا لابتغاء ما لدى الله يرتقي، حيث رحمة الله قد فتحت أبوابها، وحور الجنان قد زينت أترابها، دار العرب الذين قرعوا باب الفتح، وفازوا بجزيل المنح، وخلدوا الآثار، وأرغموا الكفار، وأقالوا العثار، وأخذوا الثار، وأمنوا من لفح جهنم، بما علا على وجوههم من ذلك الغبار، فكتبنا إليكم هذا نقوى بصيرتكم، على جهة الجهاد من العزمين، ونهب بكم إلى إحدى الحسنيين، والصبح غير خاف على ذي عينين والفضل ظاهر لإحدى المنزلتين، فإنكم إن حججتم أعدتم فرضا أديتموه، وفضلا أرتديتموه، فائدته عليكم مقصورة، وقضيته فيكم محصورة. وإذا أقمتم الجهاد، جلبتم إلى حسناتكم عملا غريبا، واستأنفتم سعيا من الله قريبا، وتعدت المنفعة إلى ألوف من النفوس، المستشعرة لبأس البوس، ولو كان الجهاد بحيث يخفى عليكم فضله لأطنبنا، وأعنة الاستدلال أرسلنا. هذا لو قدمتم على هذا الوطن، وفضلكم غفل من الاشتهار، ومن به لا يوجب لكم ترفيع المقدار، فكيف وفضلكم أشهر من محيا النهار، ولقاؤكم أشهى الآمال وآثر الأوطار؟! فإن قوي عزمكم، والله يقويه، ويعيننا من بركم على ما ننويه، فالبلاد بلادكم، وما فيها طريقكم وتلادكم وكهولها إخوانكم، وأحداثها أولادكم، ونرجو أن تجدوا لذكركم الله في رباها حلاوة زائدة، ولا تعدموا من روح الله فائدة، وتتكيف نفسكم فيها بكيفيات تقصر عنها خلوات السلوك إلى ملك الملوك، حتى تغتبطوا بفضل الله الذي يوليكم، وتروا أثر رحمته فيكم، وتخلفوا فخر هذا الانقطاع إلى الله في قبيلكم وبنيكم، وتختموا العمل الطيب بالجهاد الذي يعليكم، ومن الله تعالى يدنيكم، فنبيكم العربي، صلوات الله عليه وسلامه، نبي الرحمة والملاحم، ومعمل الصوارم، وبجهاد الفرنج ختم عمل جهاده، والأعمال بالخواتم، هذا على بعد بلادهم من بلاده، وأنتم أحق الناس باقتفاء جهاده، والاستباق إلى آماده.