هذا ما عندنا حثثناكم عليه، وندبناكم إليه، وأنتم في إيثار هذا الجوار، ومقارضة ما عندنا بقدومكم على بلادنا من الاستبشار، بحسب ما يخلق عنكم من بيده مقادة الاختيار، وتصريف الليل والنهار ، وتقليب القلوب وإجالة الأفكار، وإذ تعارضت الحظوظ فما عند الله خير للأبرار، والدار الآخرة دار القرار، وخير الأعمال عمل أوصل إلى الجنة وباعد من النار، ولتعلموا أن نفوس أهل الكشف والاطلاع، بهذه الأرجاء والأصقاع، قد اتفقت أخبارها، واتحدت أسرارها، على البشارة بفتح قرب أوانه، وأظل زمانه. فنرجو الله أن تكونوا ممن يحضر مدعاه، ويكرم فيه مسعاه، ويسلف فيه العمل الذي يشكره الله ويرعاه، والسلام الكريم يخصكم ورحمة الله وبركاته. انتهى.
ولما دخل الأندلس أمير المسلمين علي ابن أمير المسلمين يوسف بن ناشفين اللمتوني، ملك المغرب والأندلس، وأمعن النظر فيها، وتأمل وصفها وحالها، قال: إنها تشبه عقابا مخالبه طليطلة، وصدره قلعة رباح، ورأسه جيان، ومنقاره غرناطة وجناحه الأيمن باسط إلى المغرب، وجناحه الأيسر باسط إلى المشرق ... في خبر طويل لم يحضرني الآن، إذ تركته مع كتبي بالمغرب، جمعني الله بها على أحسن الأحوال.
ومع كون أهل الأندلس سباق حلبة الجهاد، مهطعين إلى داعيه من الجبال والوهاد، فكان لهم في الترف والنعيم والمجون، ومداراة الشعراء، خوف الهجاء، محل وثير المهاد. وسيأتي في الباب السابع من هذا القسم من ذلك وغيره ما يشفي ويكفي، ولكن سنح لي أن أذكر هنا حكاية أبي بكر المخزومي الهجاء المشهور، الذي قال فيه لسان الدين بن الخطيب في الإحاطة: إنه كان أعمى شديد الشر، معروفا بالهجاء، مسلطا على الأعراض، سريع الجواب، ذكي الذهن، فطنا للمعارض سابقا في ميدان الهجاء، فإذا مدح ضعف شعره.
والحكاية هي ما حكاه أبو الحسن بن سعيد في الطالع السعيد إذ قال، حكاية عن أبيه فيما أظن: قدم المذكور، يعني المخزومي، على غرناطة أيام ولاية أبي بكر ابن سعيد، ونزل قريبا مني، وكنت أسمع به: نار صاعقة يرسلها الله على من يشاء من عباده، ثم رأيت أن أبدأه بالتأنيس والإحسان، فاستدعيته بهذه الأبيات:
يا ثانيا للمعرى
في حسن نظم ونثر
وفرط ظرف ونبل
وغوص فهم وفكر
صل ثم واصل حفيا
بكل بر وشكر
وليس إلا حديث
كما زها عقد در
وشادن يتغنى
على رباب وزمر
وما يسامح فيه الغف
ور من كأس خمر
وبيننا عهد حلف
لياسر حلف كفر
نعم فجدده عهدا
بطيب سكر ويسر
والكأس مثل رضاع
ومن كمثلك يدري؟
ووجه له الوزير أبو بكر بن سعيد عبدا صغيرا قاده. فلما استقر به المجلس، وأفغمته روائح الند والعود والأزهار، وهزت عطفه الأوتار، قال:
دار السعيدي ذي؟ أم دار رضوان؟
ما تشتهي النفس فيها حاضر دان!
سقت أباريقها للند سحب ندى
تحدى برعد لأوتار وعيدان
والبرق من كل دن ساكب مطرا
يحيي به ميت أفكار وأشجان
هذا النعيم الذي كنا نحدثه
ولا سبيل له إلا بآذان
فقال أبو بكر بن سعيد: وإلى الآن لا سبيل له إلا بآذان؟ فقال: حتى يبعث الله ولد زنا كلما أنشدت هذه الأبيات قال إنها لأعمى. فقال: أما أنا فلا أنطق بحرف. فقال: من صمت نجا.
وكانت نزهون بنت القلاعي حاضرة فقالت: وتراك يا أستاذ، قديم النعمة بمجرد ند وغناء وشراب، فتعجب من تأنيه، وتشبهه بنعيم الجنة، ويقول ما كان يعلم إلا بالسماع، ولا يبلغ إليه بالعيان! ولكن من يجيء من حصن المدور، وينشأ بين تيوس وبقر، من أين له معرفة بمجالس النعيم؟! فلما استوفت كلامها تنحنح الأعمى، فقالت له: ذبحة! فقال: من هذه الفاضلة؟ فقالت عجوز مقام أمك! فقال: كذبت! ما هذا صوت عجوز ... الخ. ثم قال:
على وجه نزهون من الحسن مسحة
وإن كان قد أمسى من الضوء عاريا
قواصد نزهون توارك غيرها
ومن قصد البحر استقل السواقيا (وطوينا هنا بعض محاضرات لا صلة لها بموضوعنا من جغرافية البلاد إلى أن يقول):