تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

626

التي في جبلها معدن الحديد. وأما «رندة»

627

بالراء فهي في متوسط الأندلس، ولها حصن يعرف بأندة أيضا. وفي أشبيلية، أعادها الله، من المتفرجات والمتنزهات كثير، ومن ذلك مدينة «طريانة»

628

فإنها من مدن أشبيلية ومتنزهاتها، وكذلك «تيطل» فقد ذكر ابن سعيد جزيرة تيطل في المتفرجات. وقال أبو عمران موسى بن سعيد في جوابه لأبي يحيى صاحب سبتة، لما استوزره مستنصر بني عبد المؤمن، وكتب إلى المذكور يرغبه في النقلة عن الأندلس إلى مراكش، ما نص محل الحاجة منه: وأما ما ذكر سيدي من التخيير بين ترك الأندلس، وبين الوصول إلى حضرة مراكش، فكفى الفهم العالي من الإشارة قول القائل:

والعز محمود وملتمس

وألذه ما كان في الوطن

فإذا نلت بك السماء في تلك الحضرة، فعلى من أسود فيها؟ ومن ذا أضاهي بها؟

لا رقت بي همة إن لم أكن

فيك قد أملت كل الأمل

وبعدها فكيف أفارق الأندلس، وقد علم سيدي أنها جنة الدنيا، بما حباها الله به من اعتدال الهواء، وعذوبة الماء، وكثافة الأفياء، وأن الإنسان لا يبرح فيها بين قرة عين وقرار نفس؟

هي الأرض لا ورد لديها مكدر

ولا طل مقصور ولا روض مجدب

أفق صقيل، وبساط مدبج، وماء سائح، وطائر مترنم بليل، وكيف يعدل الأديب عن أرض على هذه الصفة؟ فيا سموءل الوفاء، ويا حاتم السماح، ويا جذيمة الصفاء، كمل لمن أملك النعمة، بتركه في موطنه ، غير مكدر لخاطره بالتحرك من معدنه، متلفتا إلى قول القائل:

وسولت لي نفسي أن أفارقها

والماء في المزن أصفى منه في الغدر

فإن أغناه اهتمام مؤمله عن ارتياد المراد، وبلغه دون أن يشد قتبا ولا أن ينضي عيسا غاية المراد، أنشد ناجح المرغوب، بالغ المطلوب:

وليس الذي يستتبع الوبل رائدا

كمن جاءه في داره رائد الوبل

ورب قائل إذا سمع هذا التبسط على الأماني: ماله تشطط، وعدل عن سبيل التأدب وتبسط؟! ولا جواب عندي إلا قول القائل:

فهذه خطة مازلت أرقبها

فاليوم أبسط آمالي وأحتكم

ومالي لا أنشد ما قاله المتنبي في سيف الدولة:

ومن كنت بحرا له يا علي

لم يقبل الدر إلا كبارا

انتهى المقصود منه.

وقال الحجاري: إن مدينة «شريش»

629

بنت أشبيلية، وواديها ابن واديها، ما أشبه سعدى بسعيد!! وهي مدينة جليلة، ضخمة الأسواق، لأهلها همم وظرف في اللباس وإظهار الرفاهية، وتخلق بالآداب. ولا تكاد ترى بها إلا عاشقا أو معشوقا. ولها من الفواكه ما يعم ويفضل، ومما اختصت به إحسان الصنعة في المجبنات، وطيب جبنها يعين على ذلك. ويقول أهل الأندلس: من دخل شريش ولم يأكل بها المجبنات فهو محروم. ا.ه.

والمجبنات نوع من القطائف يضاف إليها الجبن في عجينها وتقلى بالزيت الطيب. وفي شلب يقول الفاضل الكاتب أبو عمرو بن مالك بن سيدمير.

أشجاك النسيم حين يهب؟

أم سنى البرق إذ يخب ويخبو؟

أم هتوف على الأراكة تشدو

أم هتون من الغمامة سكب؟

كل هذاك للصبابة داع

أي صب دموعه لا تصب؟

أنا لولا النسيم والبرق والور

ق وصوب الغمام ما كنت أصبو

ذكرتني شلبا، وهيهات مني

بعد ما استحكم التباعد شلب!

وتسمى أعمال كورة «أشكونية» وهي متصلة بكورة أشبونة، وهي، أعني أشكونية، قاعدة جليلة، لها مدن ومعاقل، ودار ملكها قاعدة «شلب»

630

وبينها وبين قرطبة سبعة أيام. ولما صارت لبني عبد المؤمن مراكش أضافوها إلى كروة أشبيلية. وتفتخر شلب بكون ذي الوزارتين ابن عمار منها، سامحه الله. ومنها القائد أبو مروان عبد الملك بن بدران، وربما قيل ابن بدرون، الديب المشهور شارح قصيدة ابن عبدون التي أولها:

الدهر يفجع بعد العين بالأثر

فما البكاء على الأشباح والصور؟!

وهذا الشرح شهير بهذه البلاد المشرقية. ومن نظم ابن بدرون المذكور قوله:

العشق لذته التعنيق والقبل

كما منغصه التثريب والعذل

يا ليت شعري! هل يقضي وصالكم

لولا المنى لم يكن ذا العمر يتصل

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٦١