تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رعى الله من غرناطة متبوأ

يسر حزينا أو يجير طريدا

تبرم منها صاحبي عندما رأى

مسارجها بالثلج عدن جليدا

هو الثغر، صان الله من أهلت به

وما خير ثغر لا يكون برودا؟

وقال ابن سعيد، عندما أجرى ذكر قرية نارجة، وهي قرية كبيرة تضاهي المدن قد أحدقت بها البساتين، ولها نهر يفتن الناظرين، وهي من أعمال مالقة: أنه اجتاز مرة عليها مع والده أبي عمران موسى، وكان ذلك زمان صباغة الحرير عندهم وقد ضربوا في بطن الوادي بين مقطعاته خيما، وبعضهم يشرب، وبعضهم يغني ويطرب، وسألوا: بم يعرف ذلك الموضع؟ فقالوا الطراز، فقال والدي اسم طابق مسماه، ولفظ وافق معناه.

وقد وجدت مكان القول ذا سعة

فإن وجدت لسانا قائلا فقل

ثم قال أجز :

بنارجة حيث الطراز المنمنم

فقلت :

أقم فوق نهر ثغره يتبسم

فقال :

وسمعك نحو الهاتفات فإنها

فقلت :

لما أبصرت من بهجة تترنم

فقال :

أيا جنة الفردوس لست بآدم

فقلت :

فلا يك حظي من جناك التندم

فقال :

يعز علينا أن نزورك مثل ما

فقلت :

يزور خيال من سليمى مسلم

فقال :

فلو أنني أعطى الخيار لما عدت

فقلت :

محلك لي عين بمرآك تنعم

فقال :

بحيث الصبا والطل من نفثاتها

فقلت :

وقت لسع روض فيه للنهر أرقم

فقال :

فوا أسفي! إن لم تكن لي عودة

فقلت :

فكن مالكا إني عليك متمم

620

فقال :

فأحسب هذا آخر العهد بيننا

فقلت :

وقد يلحظ الرحمن شوقي فيرحم

فقال :

سلام! سلام لا يزال مرددا

فقلت :

عليك! ولا زالت بك السحب تسجم!

انتهى.

وقال ابن سعيد: إن كورة بلنسية، من شرق الأندلس، ينبت بها الزعفران وتعرف بمدينة التراب، وبها كمثرى تسمى الأرزة، في قدر حبة العنب، قد جمع مع حلاوة الطعم، ذكاء الرائحة، إذا دخل دارا عرف بريحه، ويقال إن ضوء بلنسية يزيد على ضوء سائر بلاد الأندلس، وبها منارة ومسارح، ومن أبدعها وأشهرها الرصافة، ومنية ابن أبي عامر.

وقال الشرف أبو جعفر بن مسعدة الغرناطي من أبيات فيها:

هي الفردوس في الدنيا جمالا

لساكنها وكارهها البعوض

وقال بعضهم فيها:

ضاقت بلنسية بي

وذاد عني غموضي

رقص البراغيث فيها

على غناء البعوض

وفيها لابن الزقاق البلنسي:

بلنسية إذا فكرت فيها

وفي آياتها أسنى البلاد

وأعظم شاهدي منها عليها

وأن جمالها للعين بادي

كساها ربها ديباج حسن

لها علمان من بحر ووادي

وقال ابن سعيد أيضا: أنشدني والدي قال: أنشدني مروان بن عبد الله بن عبد العزيز ملك بلنسية لنفسه بمراكش قوله:

كأن بلنسية كاعب

وملبسها سندس أخضر

إذا جئتها سترت نفسها

بأكمامها فهي لا تظهر

وأما قول أبي عبد الله بن عياش: «بلنسية بيني» البيتين وقد سبقا، فقال ابن سعيد: إن ذلك حيث صارت ثغرا يصاحبها العدو ويماسيها.

621

ا.ه.

وقال أبو الحسن بن حريق يجاوب ابن عياش:

بلنسية قرارة كل حسن

حديث صح في شرق وغرب

فإن قالوا محل غلاء سعر

ومسقط ديمتي طعن وضرب

فقل هي جنة حفت رباها

بمكروهين من جوع وحرب

وقال الرصافي في رصافتها:

ولا كالرصافة من منزل

سقته السحائب صوب الولي

أحن إليها ومن لي بها

وأين السري من الموصلي

وقال ابن سعيد: وبرصافة

622

بلنسية مناظر وبساتين ومياه ولا نعلم في الأندلس ما يسمى بهذا الاسم إلا هذه، ورصافة قرطبة. انتهى. ومن أعمال بلنسية قرية «المنصف» التي منها الفقيه الزاهد أبو عبد الله المنصفي وقبره كان بسبته يزار رحمه الله. ومن نظمه:

قالت لي النفس: أتاك الردى

وأنت في بحر الخطايا مقيم

فما ادخرت الزاد، قلت اقصري!

هل يحمل الزاد لدار الكريم؟

ومن عمل بلنسية قرية «بطرنة»

623

وهي التي كانت فيها الوقعة المشهورة للنصارى على المسلمين. وفيها يقول أبو اسحق بن يعلى الطرسوني:

624

لبسوا الحديد إلى الوغى ولبستم

حلل الحرير عليكم ألوانا

ما كان أقبحهم وأحسنكم بها!

لو لم يكن ببطرنة ما كانا

ومن عمل بلنسية «مينطة»

625

التي نسب إليها جماعة من العلماء والأدباء. ومن عمل بلنسية مدينة «أندة»

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٦٠