تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فعند ذلك ارتمت جمرة تدمير بالشرار، واستدت أسهمها لنحور الشرار، وقالت: عش رجبا، تر عجبا! أبعد العصيان والعقوق، تتهيأن لرتب ذوي الحقوق؟! هذه سماء الفخر، فمن ضمنك أن تعرجي؟ ليس بعشك فادرجي، لك الوصف والخيل. آلآن؟ وقد عصيت قبل أيتها الصانعة الفاعلة، من أدراك أن تضربي وما أنت فاعلة، ما الذي يجديك الروض والزهر؟ أم يفيدك الجدول والنهر؟ وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟ هل أنت إلا محط رحل النفاق، ومنزل ما لسوق الخصب فيه من نفاق، ذراك لا يكتحل الطرف فيه بهجوع، وقراك لا يسمن ولا يغني من جوع، فإلام تبرز الإماء في منصة العقائل؟ ولكن اذكري قول القائل:

بلنسية، بيني عن القلب سلوة

فإنك روض لا أحن لزهرك

وكيف يحب المرء دارا تقسمت

على صارمى جوع وفتنة مشرك؟

بيد أني أسأل الله تعالى أن يوقد من توفيقك ما خمد، ويسيل من تسديدك ما جمد، ولا يطيل عليك في الجهالة الأمد، وإياه سبحانه نسأل أن يرد سيدنا ومولانا إلى أفضل عوائده، ويجعل مصائب أعدائه من فوائده، ويمكن حسامه من رقاب المشغبين، ويبقيه وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين، ويصل له تأييدا وتأييدا، ويمهد له الأيام حتى تكون الأحرار لعبيد عبيده عبيدا، ويمد على الدنيا بساط سعده، ويهبه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده.

آمين! آمين! لا أرض بواحدة

حتى أضيف إليها ألف آمينا

ثم السلام الذي يتعانق عبقا ونشرا، ويتألق رونقا وبشرا، على حضرتهم العلية، ومطالع أنوارهم السنية الجلية، ورحمة الله تعالى وبركاته

615 (انتهى).

ولما ألم الرحالة ابن بطوطة في رحلته بدخوله بلاد الأندلس، أعادها الله تعالى للإسلام قال: فوصلت إلى بلاد الأندلس حرسها الله تعالى حيث الأجر موفور للساكن، والثواب مذخور للمقيم والظاعن ... إلى أن قال عند ذكره غرناطة ما نصه:

قاعدة بلاد الأندلس، وعروس مدنها، وخارجها لا نظير له في الدنيا، وهو مسيرة أربعين ميلا، يخترقه نهر شنيل المشهور وسواه من الأنهار الكثيرة، والبساتين الجليلة، والجنات، والرياضات، والقصور، والكروم، محدقة بها من كل جهة، ومن عجيب مواضعها «عين الدمع»

616

وهو جبل فيه الرياضات والبساتين، لا مثل له بسواها. انتهى.

وقال الشقندي: غرناطة: دمشق بلاد الندلس، ومسرح الأبصار، ومطمح الأنفس، ولم تخل من أشراف أماثل، وعلماء أكابر، وشعراء أفاضل، ولو لم يكن بها إلا ما خصها الله تعالى به من كونها قد نبغ فيها النساء الشواعر، كنزهون القلبمية، والركونية، وغيرهما، وناهيك بهما في الظرف والأدب. انتهى.

ولبعضهم، يتشوق إلى غرناطة، فيما ذكره بعض المؤرخين، والصواب أن الأبيات قيلت في قرطبة كما مر والله أعلم.

أغرناطة الغراء، هل لي أوبة

إليك وهل يدنو لنا ذلك العهد

سقى الجانب الغربي منك غمامة

وقعقع في ساحات روضتك الرعد

لياليك أسحار، وأرضك جنة

وتربك في استنشاقها عنبر ورد

وقال ابن مالك الرعيني:

رعى الله بالحمراء عيشا قطعته

ذهبت به للأنس والليل قد ذهب

ترى الأرض منها فضة فإذا اكتست

بشمس الضحى عادت سبيكتها ذهب

وهو القائل:

لا تظنوا أن شوقي خمدا

بعدكم، أو أن دمعي جمدا

كيف أسلو عن أناس مثلهم

قل أن تبصر عيني أحدا

وغرناطة من أحسن بلاد الأندلس، وتسمى بدمشق الأندلس، لأنها أشبه شيء بها، ويشقها نهر «حدره»

617

ويطل عليها الجبل المسمى بشلير، الذي لا يزول الثلج عنه شتاء ولا صيفا

618

ويجمد عليه، حتى يصير كالحجر الصلد، وفي أعلاه الأزاهر الكثيرة، وأجناس الأفاوية الرفيعة. ونزل بها أهل دمشق، لما جاءوا إلى الأندلس، لأجل الشبه المذكور. وقرى غرناطة فيما ذكر بعض المتأخرين مائتان وسبعون قرية

619

وقال ابن جزي مرتب رحلة ابن بطوطة، بعد ذكر كلامه ما نصه: قال ابن جزي: لولا خشيت أن أنسب إلى العصبية، لأطلت القول في وصف غرناطة، فقد وجدت مكانه، ولكن ما اشتهر كاشتهارها لا معنى لإطالة القول فيه. ولله در شيخنا أبي بكر ابن محمد بن شبرين السبتي، نزيل غرناطة حيث يقول:

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٥٩