612
فحسبي أن أفيض في ذلك الشرف، وإن تبجحتم بأشرف اللبوس، فأي إزار اشتملتموه «كشنتبوس»؟
613
إلى ما شئت من أبنية رحاب، وروضى يستغنى بنضرته عن السحاب، وقد ملأت زهراتي وهادا ونجادا، وتوشح سيف نهري بحدائقي نجادا، فأنا أولاكم بسيدنا الهمام وأحق، الآن حصحص الحق!
فنظرتها قرطبة شذرا، وقالت: لقد كثرت نذرا، وبذرت في الصخر الأصم بذرا، كلام العدي ضرب من الهذيان، وإني للإيضاح والبيان متى استحال المستقبح مستحسنا، ومن أودع أجفان المهجور وسنا، أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا؟! يا عجبا للمراكز تقدم على الأسنة، وللأثغار
614
تفضل على الأعنة! إن ادعيتم سبقا فما عند الله خير وأبقى، لي البيت المطهر الشريف، والاسم الذي ضرب عليه رواقه التعريف، في بقيعي محل الرجال الأفاضل، فليرغم أنف المناضل، وفي جامعي مشاهد ليلة القدر، فحسبي من نباهة القدر، فما لأحد أن يستأثر علي بهذا السيد الأعلى، ولا أرضى له أن يوطئ غير ترابي نعلا، فأقروا لي بالأبوة، وانقادوا لي على حكم النبوة، ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة، وكفوا عن تباريكم ذلكم خير لكم عند باريكم.
فقالت غرناطة: لي المعقل الذي يمتنع ساكنه من النجوم، ولا تجري إلا تحته جياد الغيث السجوم، فلا يلحقني من معاند ضرر ولا حيف، ولا يهتدي إلي خيال طارق ولا طيف، فاستسلموا قولا وفعلا، فقد أفلح اليوم من استعلى، لي بطاح تقلدت من جداولها أسلاكا، وأطلعت كواكب زهرها فعادت أفلاكا، ومياه تسيل على أعطافي كأدمع العشاق، وبرد نسيم يردد ماء المستجير بالانتشاق، فحسني لا يطمع فيه ولا يحتال، فدعوني فكل ذات ذيل تختال، فأنا أولى بهذا السيد الأعدل، وما لي به من عوض ولا بدل، ولم لا يعطف علي عنان مجده ويثني، وإن أنشد يوما فإياي يعني:
بلاد بها عق الشباب تمائمي
وأول أرض مس جلدي ترابها
فما لكم تعتزون لفخري وتنتمون، وتتأخرون في ميداني وتتقدمون؟ تبرأوا إلي مما تزعمون، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون.
فقالت مالقة: أتتركوني بينكم هملا، ولم تعطوني في سيدنا أملا؟ ولم ولي البحر العجاج، والسبل الفجاج، والجنات الأثيرة، والفواكه الكثيرة؟! لدي من البهجة ما تستغني به الحمام عن الهديل، ولا تجنح الأنفس الرقاق الحواشي إلى تعويض عنه ولا تبديل، فما لي لا أعطى في ناديكم كلاما، ولا أنشر في جيش فخاركم أعلاما؟! فكأن الأمصار نضرتها ازدراء، فلم تر لحديثها في ميدان الذكر إجراء، لأنها موطن لا يحظى منه بطائل، ونظن البلاد تأولت فيها قول القائل:
إذا نطق السفيه فلا تجبه
فخير من إجابته السكوت
فقالت مرسية: أمامي تتعاطون الفخر، وبحضرة الدر تنفقون الصخر، إن عدت المفاخر، فلي منها الأول والآخر، أين أوشالكم من بحري، وخرزكم من لؤلؤ نحري؟ وجعجعتكم من نفثات سحري؟ فلي الروض النضير، والمرأى الذي ما له نظير، ورتقائي التي سار مثلها في الآفاق، وتبرقع وجه جمالها بغرة الأصفاق، فمن دوحات، كم لها من بكور وروحات، ومن أرجاء، إليها تمد أيدي الرجاء. فأبنائي في الجنة الدنيوية مودعون، يتنعمون فيما يأخذون ويدعون، ولهم فيها ما تشتهي أنفسهم ولهم فيها ما يدعون، فانقادوا لأمري، وحاذروا اصطلاء جمري، وخلوا بيني وبين سيدنا أبي زيد، وإلا ضربتكم ضرب زيد، فأنا أولاكم بهذا الملك المستأثر بالتعظيم، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم.
فقالت بلنسية: فيم الجدال والقراع، وعلام الاستهام والاقتراع، وإلام التعريض والتصريح، وتحت الرغوة اللبن الصريح؟! أنا أحوزه من دونكم، فأخمدوا نار تحرككم وهدونكم، فلي المحاسن الشامخة الأعلام. والجنات التي تلقى إليها الآفاق يد الاستسلام، وبرصافتي وجسري أعارض مدينة السلام، فأجمعوا على الانقياد لي والسلام، وإلا فعضوا بنانا، واقرعوا أسنانا. فأنا حيث لا تدركون وأني؟ ومولانا لا يهلكنا بما فعل السفهاء منا!