تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما جزيرة طريف فليست بجزيرة، وإنما سميت بذلك الجزيرة التي أمامها في البحر مثل الجزيرة الخضراء، وطريف المنسوبة إليه بربري من موالي موسى بن نصير. ويقال إن موسى بعثه قبل طارق في أربعمائة رجل، فنزل بهذه الجزيرة في رمضان سنة إحدى وتسعين، وبعده دخل طارق. والله أعلم.

ومن أعظم كور الأندلس كورة طليطلة، وهي من متوسط الأندلس، وكانت دار مملكة بني ذي النون، من ملوك الطوائف، وكان ابتداء ملكهم صدر المائة الخامسة، وسماها قيصر بلسانه «بزليطلة» وتأويل ذلك: أنت فارح. فعربتها العرب، وقالت «طليطلة».

571

وكانوا يسمونها وجهاتها في دولة بني أمية بالثغر الأدنى، ويسمون سرقسطة وجهاتها بالثغر الأعلى. وتسمى طليطلة مدينة الأملاك لأنه فيما يقال ملكها اثنان وسبعون إنسانا، ودخلها سليمان بن داود عليهما السلام، وعيسى بن مريم، وذو القرنين،

572

وفيها وجد طارق مائدة سليمان، وكانت من ذخائر أشبان ملك الروم الذي بنى أشبيلية، أخذها من بيت المقدس، كما مر.

573

وقومت هذه المائدة عند الوليد بن عبد الملك بمائة ألف دينار. وقيل إنها كانت من زمرد أخضر، ويقال إنها الآن برومة. والله أعلم بذلك. ووجد طارق بطليطلة ذخائر عظيمة

574

منها مائة وسبعون تاجا من الدر والياقوت والأحجار النفيسة، وإيوان ممتلئ من أواني الذهب والفضة، وهو كبير، حتى قيل إن الخيل تلعب فيه فرسانها برماحهم لوسعه. وقد قيل أن أواني المائدة من الذهب، وصحافها من اليشم والجزع. وذكروا فيها غير هذا، مما لا يكاد يصدقه الناظر فيه. وبطليطلة بساتين محدقة، وأنهار مخترقة، ورياض وجنان، وفواكه حسان، مختلفة الطعوم والألوان ولها من جميع جهاتها أقاليم رفيعة، ورساتيق مريعة، وضياع بديعة، وقلاع منيعة، وبالجملة فمحاسنها كثيرة، ولعلنا نلم ببعض متنزهاتها فيما يأتي من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.

وطليطلة قاعدة ملك القوطيين، وهي مطلة على نهر تاجة، وعليه كانت القنطرة التي يعجز الواصفون عن وصفها، وكانت على قوس واحد، تكنفه فرجتان من كل جانب ، وطول القنطرة ثلاثمائة رباع، وعرضها ثمانون باعا، وخربت أيام الأمير محمد، لما عصى عليها أهلها، فغزاهم واحتال في هدمها. وفي ذلك يقول الحكيم عباس بن فرناس:

أضحت طليطلة معطلة

من أهلها في قبضة الصقر

تركت بلا أهل تؤهلها

مهجورة الأكناف كالقبر

ما كان يبقي الله قنطرة

نصبت لحمل كتائب الكفر

وسيأتي بعض أخبار طليطلة.

575

ومن مشهور مدن الأندلس المرية، وهي على ساحل البحر، ولها القلعة المنيعة المعروفة بقلعة خيران، بناها عبد الرحمن الناصر، وعظمت في دولة المنصور ابن أبي عامر، وولي عليها خيران، فنسبت القلعة إليه. وبها من صنعة الديباج ما تفوق به سائر البلاد. وفيها دار الصناعة.

576

وتشتمل كورتها على معدن الحديد والرخام. ومن أبوابها باب العقاب عليه صورة عقاب من حجر، قديم عجيب المنظر.

وقال بعضهم: كان بالمرية لنسج طرز الحرير ثمانمائة نول، وللحلل النفيسة والديباج الفاخر ألف نول، وللاسقلاطون كذلك، وللثياب الجرجانية كذلك، وللأصفهانية مثل ذلك، وللعنابي والمعاجر المدهشة، والستور المكللة. ويصنع بها من صنوف آلات الحديد والنحاس والزجاج ما لا يوصف.

577

وفاكهة المرية يقصر عنها الوصف حسنا، وساحلها أفضل السواحل،

578

وبها قصور الملوك القديمة الغريبة العجيبة. وقد ألف فيها أبو جعفر بن خاتمة تاريخا حافلا، سماه «بمزية المرية على غيرها من البلاد الأندلسية» في مجلد ضخم، تركته من جملة كتبي بالمغرب. والله سبحانه المسئول في جمع الشمل، فله الأمر من بعد ومن قبل.

ووادي المرية طوله أربعون ميلا في مثلها، كلها بساتين بهجة، وجنات نضرة وأنهار مطردة، وطيور مغردة. قال بعضهم: ولم يكن في بلاد الأندلس أكثر مالا من أهل المرية، ولا أعظم متاجر وذخائر، وكان بها من الحمامات والفنادق نحو الألف، وهي بين الجبلين، بينهما خندق معمور، وعلى الجبل الواحد، قصبتها المشهورة بالحصانة، وعلى الآخر ربضها. والسور محيط بالمدينة والربض. وغربيها ربض لها آخر يسمى ربض الحوض، ذو فنادق وحمامات، وخنادق وصناعات، وقد استدار بها من كل جهة حصون مرتفعة، وأحجار أولية. وكأنما غربلت أرضها من التراب. ولها مدن وضياع عامرة متصلة الأنهار. انتهى.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٥٥