وقيل لأحد من رأي مصر والشام: أيهما رأيت أحسن، أهذان أم أشبيلية؟
فقال بعد تفضيل أشبيلية: شرفها
563
غابة بلا أسد، ونهرها نيل بلا تمساح. ا.ه.
ويقال إن الذي بنى أشبيلية اسمه «يوليس»
564
وأنه أول من سمي «قيصر» وأنه لما دخل الأندلس أعجب بساحاتها، وطيب أرضها، وجبلها المعروف بالشرف، فردم على النهر الأعظم مكانا، وأقام فيه المدينة، وأحدق عليها بأسوار من صخر صلد وبنى في وسط المدينة قصبتين بديعتي الشأن، تعرفان بأخوين، وجعلها أم قواعد الأندلس، واشتق لها اسمها من «رومية يوليس»
565
انتهى. وقد تقدم شيء من هذا.
وكان الأولون من ملوك الأعاجم يتداولون بسكناهم أربعة بلاد من بلاد الأندلس: أشبيلية، وقرطبة، وقرمونة، وطليطلة، ويقسمون أزمانهم على الكينونة بها. وأما شرف أشبيلية فهو شريف البقعة، كريم التربة، دائم الخضرة فرسخ في فرسخ، طولا وعرضا، لا تكاد تشمس فيه بقعة، لالتفاف زيتونه.
واعلم أن أشبيلية لها كور جليلية، ومدن كثيرة، وحصون شريفة، وهي من الكور المجندة، نزلها جند حمص، ولواؤهم في الميمنة، بعد لواء جند دمشق وانتهت جباية أشبيلية أيام الحكم بن هشام إلى خمسة وثلاثين ألف دينار ومائة دينار. وفي إقليم «طالقة»
566
من أقاليم أشبيلية وجدت صورة جارية من مرمر، معها صبي، وكأن حية تريده، لم يسمع في الأخبار، ولا رؤى في الآثار، صورة أبدع منها، جعلت في بعض الحمامات، وتعشقها جماعة من العوام. وفي كورة ماردة حصن «شنت أفرج»
567
في غاية الارتفاع، لا يعلوه طائر البتة، لا نسر ولا غيره.
ومن عجائب الأندلس البلاط الأوسط من مسجد جامع «أقليش»
568
فإن طول كل جائزة منه مائة شبر واحد عشر شبرا، وهي مربعة منحوتة، مستوية الأطراف.
وقال بعض من وصف أشبيلية إنها مدينة عامرة، على ضفة النهر الكبير المعروف بنهر قرطبة، وعليه جسر مربوط بالسفن، وبها أسواق قائمة، وتجارات رابحة، وأهلها ذوو أموال عظيمة، وأكثر متاجرهم الزيت، وهو يشتمل على كثير من إقليم الشرف. وإقليم الشرف على تل عال، من تراب أحمر، مسافته أربعون ميلا في مثلها، يمشي به السائر في ظل الزيتون والتين. ولها فيما ذكر بعض الناس قرى كثيرة، وكل قرية عامرة بالأسواق، والديار الحسنة والحمامات وغيرها من المرافق.
وقال صاحب «منهاج الفكر» عند ذكر أشبيلية: وهذه المدينة من أحسن مدن الدنيا، وبأهلها يضرب المثل في الخلاعة، وانتهاز فرصة الزمان الساعة بعد الساعة. ويعينهم على ذلك واديها الفرج، وناديها البهج، وهذا الوادي يأتيها من قرطبة، ويجزر في كل يوم. ولها جبل الشرف،
569
وهو تراب أحمر، طوله من الشمال إلى الجنوب أربعون ميلا، وعرضه من المشرق إلى المغرب اثنا عشر ميلا، يشتمل على مائتين وعشرين قرية، قد التحفت بأشجار الزيتون واشتملت. انتهى.
ولكورة «باجة»
570
من الكور الغربية التي كانت من أعمال أشبيلية أيام بني عباد خاصية في دباغة الأديم وصناعة الكتان. وفيها معدن فضة. وبها ولد المعتمد بن عباد، وهي متصلة بكورة ماردة.
ولجبل طارق حوز قصب السبق بنسبته إلى طارق مولى موسى بن نصير إذ كان أول ما حل به من المسلمين من بلاد الأندلس عند الفتح، ولذا شهر بجبل الفتح، وهو مقابل الجزيرة الخضراء، وقد تجون البحر هنالك مستديرا، حتى صار مكان هذا الجبل كالناظر للجزيرة الخضراء، وفيه يقول مطرف شاعر غرناطة:
وأقود قد ألقى على البحر متنه
فأصبح عن قود الجبال بمعزل
يعرض نحو الأفق وجها كأنما
تراقب عيناه كواكب منزل
وإذا أقبل عليه المسافرون من جهة سبتة في البحر، بان كأنه سرج. قال أبو الحسن علي بن موسى بن سعيد: أقبلت عليه مرة مع والدي فنظرنا إليه على تلك الصفة فقال والدي: أجز:
أنظر إلى جبل الفتح راكبا متن لج
فقلت:
وقد تفتح مثل الأفنان في شكل سرج