تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما زلت أسمع أن الملو

ك تبني على قدر أخطارها

انتهى.

وقال السلطان يعقوب المنصور بن السلطان يوسف بن السلطان عبد المؤمن بن علي لأحد رؤساء أجنادها: ما تقول في قرطبة؟ فخاطبه على ما يقتضيه كلام عامة الأندلس بقوله: جوفها

556

شمام،

557

وغربيها قمام،

558

وقبلتها مدام، والجنة هي السلام. يعني بالشمام جبال الورد، ويعني بالقمام ما يؤكل، إشارة إلى محرث «الكنبانية».

559

ويعني بالمدام النهر.

ولما قال والده السلطان يوسف بن عبد المؤمن لأبي عمران موسى بن سعيد العنسي: ما عندك في قرطبة؟ قال له: ما كان لي أن أتكلم حتى أسمع مذهب أمير المؤمنين فيها. فقال السلطان: إن ملوك بني أمية حين اتخذوها حضرة مملكتهم لعلى بصيرة: الديار المنفسحة الكبيرة، والشوارع المتسعة، والمياني الضخمة المشيدة، والنهر الجاري، والهواء المعتدل، والخارج الناضر، والمحرث العظيم، والشعراء الكافية والتوسط بين شرق الأندلس وغربها. قال فقلت: ما أبقى لي أمير المؤمنين ما أقول!

قال ابن سعيد: ولأهلها رياسة ووقار، لا تزال سمة العلم والملك متوارثة فيهم، إلا أن عامتها أكثر الناس فضولا، وأشدهم تشغيبا، ويضرب بهم المثل، ما بين أهل الأندلس، في القيام على الملوك، والتشنيع على الولاة، وقلة الرضا بأمورهم ، حتى أن السيد أبا يحيى أخا السلطان يعقوب المنصور قيل له لما انفصل عن ولايتها: كيف وجدت أهل قرطبة؟ فقال مثل الجمل، إن خففت عنه الحمل صاح، وإن أثقلته صاح، ما ندري أين رضاهم فنقصده، ولا أين سخطهم فنجتنبه، وما سلط الله عليهم حجاج الفتنة، حتى كان عامتها شرا من عامة العراق

560

وإن العزل عنها لما قاسيته من أهلها عندي ولاية، وإني، إن كلفت العود إليها، لقائل: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين! انتهى.

وقال أبو الفضل التيفاشي: جرت مناظرة بين يدي ملك المغرب المنصور يعقوب بين الفقيه أبي الوليد بن رشد، والرئيس أبي بكر بن زهر. فقال ابن رشد لابن زهر في تفضيل قرطبة: ما أدري ما تقول؟ غير أنه إذا مات عالم بأشبيلية فأريد بيع كتبه حملت إلى قرطبة حتى تباع فيها، وإن مات مطرب بقرطبة فأريد بيع آلاته حملت إلى أشبيلية. قال وقرطبة أكثر بلاد الله كتبا

561

انتهى.

وحكى الإمام ابن بشكوال عن الشيخ أبي بكر بن سعادة أنه دخل مدينة طليطلة مع أخيه على الشيخ الأستاذ أبي بكر المخزومي. قال: فسألنا: من أين؟ فقلنا: من قرطبة. فقال: متى عهدكما بها؟ فقلنا: الآن وصلنا منها. فقال: أقربا إلي أشم نسيم قرطبة فقربنا منه فشم رأسي وقبله وقال لي أكتب:

أقرطبة الغراء هل لي أوبة

إليك وهل يدنو لنا ذلك العهد

سقى الجانب الغربي منك غمامة

وقعقع في ساحات دوحاتك الرعد

لياليك أسحار وأرضك روضة

وتربك في استنشاقها عنبر ورد

وكتب الرئيس الكاتب أبو بكر بن القبطرنة للعالم أبي الحسين بن سراج بقوله:

يا سيدي وأبي، هوى وجلالة

ورسول ودي إن طلبت رسولا

عرج بقرطبة إذا بلغتها

بأبي الحسين وناده تأميلا

وإذا سعدت بنظرة من وجهه

اهد السلام لكفه تقبيلا

واذكر له شوقي وشكري مجملا

ولو استطعت شرحته تفصيلا

بتحية تهدى إليه كأنما

جرت على زهر الرياض ذيولا

وفي باب اليهود بقرطبة يقول أبو عامر بن شهيد:

لقد أطلعوا عند باب اليهو

د بدرا أبى الحسن أن يكسفا

تراه اليهود على بابها

أميرا فتحسبه يوسفا

واستقبحوا قولهم باب اليهود فقالوا: باب الهدى. وسنذكر قرطبة والزهراء والزاهرة ومسجدها في الباب المنفرد بها، إن شاء الله تعالى، وكذلك القنطرة.

562

ومن أعظم مدن الأندلس أشبيلية، قال الشقندي: من محاسنها اعتدال الهواء، وحسن المباني، ونهرها الأعظم الذي يصعد المد فيه اثنين وسبعين ميلا ثم يحسر، وفيه يقول ابن سفر:

شق النسيم عليه جيب قميصه

فانساب من شطيه يطلب تاره

فتضاحكت ورق الحمام بدوحها

هزءا فضم من الحياء إزاره

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٥٣