وله من رسالة أخرى في المعنى:
ثم ردف الخطاب الثاني بقاصمة المتون، وقاضية المنون، ومضمرة نار السجون، ومذرية ماء الشئون. وهو الحادث في بلنسية دار النحر، وحاضرة البر والبحر، ومطمح أهل السياده، ومطرح شعاع البهجة والنضاده. أودى الكفر بإيمانها، وأبطل الناقوس صوت أذانها. ودهاها الخطب الذي أنسى الخطوب، وأذاب القلوب. وعلم سهام الأحزان أن تصيب، ودموع الأجفان أن تصوب، فيا ثكل الإسلام! ويا شجو الصلاة والصيام! يوم الثلاثاء، وما يوم الثلاثاء؟ يا ويح الداهية الدهياء، وتأخير الأقدام عن موقف العزاء! أين الصبر وفؤادي أنسيه، لم يبق لقومي على الرمي سيه، هيهات تجد لما مضى من تنسيه، من بعد مصاب حل في بلنسية.
يا طول هذه الحسره! ألا جابر لهذه الكسره؟ أكل أوقاتنا ساعة العسره؟ أخي! أين أيامنا الخوالي؟ وليالينا على التوالي؟ ولأية عيش نعم بها الوالي؟ ومسندات أنس يعدها الرواة من الغوالي؟ بعدا لك يا يوم الثلاثاء من صفر، ما ذنبك عندي بشيء يغتفر، قد أشمت بالإسلام حزب من كفر، من أين لنا المفر؟ كلا لا مفر.
كل رزء في هذا الرزء يندرج، وقد اشتدت الأزمة فقل لي متى تنفرج. كيف انتفاعنا بالضحى والأصائل؟ إذا لم يعد ذلك النسيم الأرج، ليس لنا إلا التسليم، والرضا بما قضاه الخلاق العليم.
وقال في رسالة أخرى في المعنى:
وأجريت خبر الحادثة التي محقت بدر التمام، وذهبت بنضارة الأيام، فيا من حضر يوم البطشه، وعزي في أنسه بعد تلك الوحشه! أحقا أنه دكت الأرض، ونزف المعين والبرض، وصوح روض المنى، وصرح الخطب وما كنى؟ أبن لي كيف فقدت رجاحة الأحلام، وعقدت مناحة الإسلام، وجاء اليوم العسر، وأوقدت نار الحزن فلا تزال تستعر. حلم ما نرى؟ بل ما رأى ذا حالم. طوفان يقال عنده لا عاصم. من ينصفنا من الزمان الظالم؟ الله بما يلقى الفؤاد عالم. بالله أي نحو تنحو، ومسطور تثبت وتمحو؟! وقد حذف الأصلي والزائد، وذهبت الصلة والعائد، وباب التعجب طال، وحال البائس لا تخشى الانتقال، وذهبت علامة الرفع، وفقدت سلامة الجمع، والمعتل أعدى الصحيح، والمثلث أردى الفصيح. وامتنعت العجمة من الصرف، وأمنت زيادتها من الحذف. ومالت قواعد المله، وصرنا إلى جمع القله. وللشرك صيال وتخمط، ولقرنه في شركه تخبط. وقد عاد الدين إلى غربته، وشرق الإسلام بكربته. كأن لم يسمع بنصر ابن نصير، وطرق طارق بكل خير، ونهشات حنش.
4
وكيف أعيت الرقى، وأزالت بليل السليم يوم الملتقى. ولم تخبر عن المروانية وصوائفها، وفتى معافر
5
وتعفيره للأوثان وطوائفها. لله ذلك السلف! لقد طال الأسى عليهم والأسف.
وقال في رسالة أخرى:
وما الذي نبغيه، وأي أمل لا نطرحه ونلغيه، بعد الحادثة الكبرى، والمصيبة التي كل كبد لها حرى، وكل عين من أجلها عبرى؟! لكن هو القضاء لا يرد، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
ومما قاله في ذلك من المنظوم قوله:
ما بال دمعك لا يني مدراره
أم ما لقلبك لا يقر قراره
أللوعة بين الضلوع لظاعن
سارت ركائبه وشطت داره
أم للشباب تقاذفت أوطانه
بعد الدنو وأخفقت أوطاره
أم للزمان أتى بخطب فادح
من مثل حادثه خلت أعصاره
بحر من الأحزان عب عبابه
وارتج ما بين الحشا زخاره
في كل قلب منه وجد عنده
أسف طويل ليس تخبو ناره
أما بلنسية فمثوى كافر
حفت به في عقرها كفاره
زرع من المكروه حل حصاده
عند الغدو غداة لج حصاره
وعزيمة للشرك جعجع بالهدى
أنصارها إذ خانه أنصاره
قل كيف تثبت بعد تمزيق العدا
آثاره أم كيف يدرك ثاره
ما كان ذاك المصر إلا جنة
للحسن تجري تحته أنهاره
طابت بطيب بهاره آصاله
وتعطرت بنسيمه أشجاره
أما السرار فقد غداه وهل سوى
قمر السماء يزول عنه سراره
قد كان يشرق بالهداية ليله
والآن أظلم بالضلال نهاره
ودجا به ليل الخطوب بصحبه
أعيا على أبصارنا أسفاره