بركت بكل محلة بركاته
شفعا يبادر بذلها شفعاءها
كالغيث صب على البسيطة صوبه
فسقى عمائرها وجاد قواءها
ينميه عبد الواحد الأرضي إلى
عليا فتمنح بأسها وسخاءها
في نبعة كرمت وطابت مغرسا
وسمت وطالت نضرة نظراءها
ظهرت لمحتدها السماء وجاوزت
لسرادقات فخارها جوزاءها
فئة كرام لا تكف عن الوغى
حتى تصرع حولها أكفاءها
وتكب في نار القرى فوق الذرا
من عزة ألويها
3
وكباءها
قد خلقوا الأيام طيب خلائق
فثنت إليهم حمدها وثناءها
ينضون في طلب النفائس أنفسا
حبسوا على إحرازها إمضاءها
وإذا انتضوا يوم الكريهة بيضهم
أبصرت فيهم قطعها ومضاءها
قوم الأمير فمن يقوم بمالهم
من صالحات أفحمت شعراءها
صفحا جميلا أيها الملك الرضي
عن محكمات لم نطق إحصاءها
تقف القوافي دونهن حسيرة
لا عيها تخفي ولا إعياءها
فلعل علياكم تسامح راجيا
إصفاءها ومؤملا إغضاءها
وفي فاجعة بربشتر يقول الفقيه الزاهد ابن العسال من قصيدة:
ولقد رمانا المشركون بأسهم
لم تخط لكن شأنها الإصماء
هتكوا بخيلهم قصور حريمها
لم يبق لا جبل ولا بطحاء
جاسوا خلال ديارهم فلهم بها
في كل يوم غارة شعواء
باتت قلوب المسلمين برعبهم
فحماتنا في حوبهم جبناء
كم موضع غنموه لم يرحم به
طفل ولا شيخ ولا عذراء
ولكم رضيع فرقوا من أمه
فله إليها ضجة وبغاء
ولرب مولود أبوه مجدل
فوق التراب وفرشه البيداء
ومصونة في خدرها محجوبة
قد أبرزوها ما لها استخفاء
وعزيز قوم صار في أيديهم
فعليه بعد العزة استخذاء
لولا ذنوب المسلمين وأنهم
ركبوا الكبائر ما لهن خفاء
ما كان ينصر للنصارى فارس
أبدا عليهم فالذنوب الداء
فشرارهم لا يختفون بشرهم
وصلاح منتحلي الصلاح رياء
نثر ابن الأبار فى التأسف على سقوط بلنسية
ولما سقطت بلنسية في أيدي الإسبان، واستولى عليها ملك أراغون، أكثر أدباؤها بكاءها والتأسف عليها نظما ونثرا؛ فمن ذلك قول الكاتب أبي المطرف بن عميرة، خاطب به الكاتب أبا عبد الله بن الأبار، جوابا عن رسالة (ورد ذلك في الروض المعطار):
طارحني حديث مورد جف وقطين خف، فيا لله لأتراب درجوا وأصحاب عن الأوطان خرجوا، قصت الأجنحة، وقيل: طيروا. وإنما هو القتل أو الأمر أو تسيروا. فتفرقوا أيدي سبا، وانتشروا ملء الوهاد والربا؛ ففي كل جانب عويل وزفره، وبكل صدر غليل وحسره، ولكل عين عبرة لا ترقأ من أجلها عبره. داء خامر بلادنا حين أتاها، وما زال بها حتى سجى على موتاها، وشجا ليومها الأطول كهلها وفتاها. وأنذر بها في القوم بحران أنيجه، يوم أثاروا أسدها المهيجه. فكانت تلك الحطمة طل الشؤبوب، وباكورة البلاء المصبوب. أثكلتنا إخوانا أبكانا نعيهم، فلله أحوذيهم وألمعيهم. ذاك أبو ربيعنا، وشيخ جميعنا، سعد بشهادة يومه، ولم ير ما يسوءه في أهله وقومه.
وبعد ذلك أخذ من الأم بالمخنق، وهي بلنسية ذات الحسن والبهجة والرونق. وما لبث أن خرس من مسجدها لسان الأذان، وأخرج من جسدها روح الإيمان؛ فبرح الخفاء، وقيل على آثار من ذهب العفاء، وانعطفت النوائب مفردة ومركبة كما تعطف الفاء. وأودت الخفة والحصافه. وذهب الجسر والرصافه ، ومزقت الحلة والسهله، وأوحشت الحرف والرمله، ونزلت بالحارة وقعة الحره، وحصلت الكنيسة من جآذرها وظباءها على طول الحسره. فأين تلك الخمائل ونضرتها، والجداول وخضرتها، والأندية وأرجها، والأودية ومنعرجها، والنواسم وهبوب مبتلها، والأصائل وشحوب معتلها؟ دار ضاحكت الشمس بحرها وبحيرتها، وأزهار ترى من أدمع الطل في أعينها ترددها وحيرتها.
ثم زحفت كتيبة الكفر بزرقها وشقرها، حتى أحاطت بجزيرة شقرها؛ فآها لمسقط الرأس هوى نجمه، ولفادح الخطب سرى كلمه! وبالجنة أجرى الله تعالى النهر تحتها، وروضة أجاد أبو إسحاق نعتها، وإنما كانت داره التي فيها دب، وعلى أوصاف محاسنها ألب، وفيها أتته منيته كما شاء وأحب، ولم يعد بعد محبين قشيبهم إليها ساقوه، ودمعهم عليها أراقوه.