تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومما صدر عن الكاتب أبي عبد الله محمد بن الأبار في ذلك من رسالة:

وأما الأوطان المحبب عهدها بحكم الشباب، المشبب فيها بمحاسن الأحباب، فقد ودعنا معاهدها وداع الأبد، وأخنى عليها الذي أخنى على لبد أسلمها الإسلام وانتظمها الانتثار والاصطلام حين وقعت أنسرها الطائرة، وطلعت أنحسها الغائرة، فغلب على الجذل الحزن، وذهب مع المسكن السكن.

كزعزع الريح صك الدوح عاصفها

فلم يدع من جنى فيها ولا غصن

واها وواها يموت الصبر بينهما

موت المحامد بين البخل والجبن

أين بلنسية ومغانيها، وأغاريد ورقها وأغانيها؟ أين حلي رصافتها وجسرها، ومنزلا عطائها ونصرها؟ أين أفياؤها تندى غضاره، وركاؤها تبدو من خضاره؟ أين جداولها الطفاحة وخمائلها؟ أين جنائبها النفاحة وشمائلها. شد ما عطل من قلائد أزهارها نحرها، وخلعت شعشعانية ضحاها بحيرتها وبحرها، فأية حيلة لا حيلة في صرفها مع صرف الزمان؟ وهل كانت حتى بانت إلا رونق الحق وبشاشة الإيمان؟! ثم لم يلبث داء عقرها أن دب إلى جزيرة شقرها، فأمر عذبها النمير، وذوى غصنها النضير، وخرست حمائم أدواحها، وركدت نواسم أرواحها، ومع ذلك اقتحمت دانية، فنزحت قطوفها وهي دانية، وبالشاطبة وبطائحها، من حيف الأيام وإنحائها، وا لهفاه ثم لهفاه على تدمير وتلاعها، وجيان وقلاعها، وقرطبة ونواديها، وحمص وواديها، كلها رعي كلؤها، ودهي بالتفريق والتمزيق ملؤها، عض الحصار أكثرها، وطمس الكفر عينها وأثرها، وتلك ألبيرة بصدد البوار وريه، في مثل حلقة السوار لا مرية في المرية وخفضها على الجوار إلى بنيات لواحق بالأمهات، ونواطق بهاك لأول ناطق بهات.

ما هذا النفخ بالمعمور؟ أهو النفخ في الصور، أم النفر عاريا من الحج المبرور؟ ومالأندلس أصيبت بأشرافها، ونقصت من أطرافها، قوض عن صوامعها الأذان، وصمت بالنواقيس فيها الآذان؟ أجنت ما لم تجن الأصقاع؟! أعقت الحق فحاق بها الإيقاع؟! كلا بل دانت للسنه، وكانت من البدع في أحسن جنه. هذه المروانية مع اشتداد أركانها وامتداد سلطانها، ألقت حب آل النبوة في حبات القلوب، وألوت ما ظفرت من خلعة ولا قلعة بمطلوب، إلى المرابطة بأقاصي الثغور والمحافظة على معالي الأمور، والركون إلى الهضبة المنيعة، والروضة المريعة، فليت شعري بم استوثق تمحيصها، ولم تعلق البلوى تخصيصها؟ اللهم غفرا! طالما ضر ضجر، ومن الأنباء ما فيه مزدجر، جرى بما لم تقدره المقدور، فما عسى أن ينفث به المصدور، وربنا الحكيم العليم. فحسبنا التفويض له والتسليم. ويا عجبا لبني الأصفر! أنسيت مرج الصفر ورميها يوم اليرموك بكل أغلب غضنفر؟ دع ذا فالعهد به بعيد، ومن اتعظ بغيره فهو سعيد.

نونية أبي البقاء الرندي

وهذه النونية التي فاقت في الشهرة قفا نبك، ولم يعهد الناس مرثية بلغت ما بلغته من إثارة الحفائظ، وإرهاف العواطف، فضلا عن إبداع النظم وإحسان السبك، للعلامة خاتمة أدباء الأندلس صالح بن شريف الرندي المعروف بأبي البقاء الرندي:

لكل شيء إذا ما تم نقصان

فلا يغر بطيب العيش إنسان

هي الأمور كما شاهدتها دول

من سره زمن ساءته أزمان

وهذه الدار لا تبقي على أحد

ولا يدوم على حال لها شان

يمزق الدهر حتما كل سابغة

إذا نبت مشرفيات وخرصان

وينتضي كل سيف للفناء ولو

كان ابن ذي يزن والغمد غمدان

أين الملوك ذوو التيجان من يمن

وأين منهم أكاليل وتيجان

وأين ما شاده شداد في إرم

وأين ما ساسه في الفرس ساسان

وأين ما حازه قارون من ذهب

وأين عاد وشداد وقحطان

أتى على الكل أمر لا مرد له

حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا

وصار ما كان من ملك ومن ملك

كما حكى عن خيال الطيف وسنان

دار الزمان على دارا وقاتله

وأم كسرى فما آواه إيوان

كأنما الصعب لم يسهل له سبب

يوما ولا ملك الدنيا سليمان

فجائع الدهر أنواع منوعة

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٥٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٥٠١