تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهذه المدن ستدخل معنا إن فسح الله في الأجل بالجزء الذي سيختص بمملكة ابن الأحمر؛ أي مملكة غرناطة، وكذلك لم ندخل في هذا الجزء جيان وعملها؛ لأن إقليم جيان هو في الوسط لا يعد شرقيا كمرسية وبلنسية ولا غربيا كإشبيلية وبطليوس، بل هو في وسط الجزيرة الأندلسية مثل قرطبة؛ ولذلك سندخله إن شاء الله مع إقليم قرطبة في جزء خاص بهما. وليعلم القارئ اللبيب أن هذا الجزء الثالث هو الجزء المودع للإسلام في شرقي الأندلس؛ فجميع ما فيه من ذكر ملوك وأمراء وعلماء مسلمين ومساجد وحصون إسلامية قد انتهى في هذا الجزء الذي يتكلم على الإسلام وآثاره وأشخاصه وأشيائه في شرقي الأندلس إلى حد سنة 660 بالكثير؛ إذ بعدها خرج الحكم في تلك البقاع من يد الإسلام، وأخذ المسلمون الذين فيها بالمهاجرة إلى مملكة ابن الأحمر؛ أي غرناطة وتوابعها. ومنهم من هاجر إلى إفريقية رأسا كتونس والجزائر وتلمسان وفاس والرباط وتطوان وغيرها، وبقية منهم بقيت هناك، كانوا يلقبون بالمدجنين، ويقول لهم الإفرنج «الموريسك»، فقد كانوا يعملون في المزارع التي استولى عليها الإسبانيون، وكانت الزراعة زاهرة على أيديهم، فكان الإسبانيون لا يستغنون عنهم بحال؛ فبقيت بقاياهم تحت الدجن؛ أي حكم الإسبانيول، من أواسط القرن السابع للهجرة إلى القرن العاشر للهجرة؛ إذ أخرجوا عند ذلك بأسرهم، ولم يبق منهم إلا من تنصر وتفرنج واندمج اندماجا تاما في أمم النصرانية.

وإليك الآن وصف مختصر لما كانت عليه مملكة المسلمين قبل استصفاء الإسبانيول لها في شرقي الأندلس بقليل، ننقله عن «المعجب في تلخيص أخبار المغرب»، تأليف عبد الواحد المراكشي، فهو يقول في آخر كتابه: وأنا ذاكر بعد هذا ما بقي بأيدي المسلمين من البلاد، وعدد المراحل التي بينها، وقربها من البحر وبعدها؛ حتى يتبين ذلك إن شاء الله تعالى. فأول شيء يملكه المسلمون بجزيرة الأندلس اليوم حصن صغير على شاطئ البحر الرومي يسمى «بنشكلة» بينه وبين مدينة بلنسية ثلاث مراحل، وهذا الحصن مما يلي بلاد الروم، بينه وبين طرطوشة مرحلتان أو أكثر قليلا. ثم مدينة بلنسية، وهي مدينة في غاية الخصب واعتدال الهواء، كان أهل الأندلس يدعونها في ما سلف من الزمان مطيب الأندلس، والمطيب عندهم حزمة يعملونها من أنواع الرياحين، ويجعلون فيها النرجس والآس وغير ذلك من أنواع المشمومات؛ سموا بلنسية بهذا الاسم لكثرة أشجارها وطيب ريحانها.

وبين بلنسية هذه وبين البحر الرومي قريب من أربعة أميال، ثم بعدها مدينة تدعى شاطبة بينها وبينها مرحلتان. وبينهما مدينة صغيرة تدعى جزيرة الشقر، وسميت جزيرة لأنها في وسط نهر عظيم قد حف بها من جميع جهاتها، فلا طريق إليها إلا على القنطرة. ومن شاطبة هذه إلى مدينة دانية التي على ساحل البحر الرومي يوم تام. ومن شاطبة إلى مدينة مرسية ثلاثة أيام. ومن مرسية إلى البحر الرومي عشرة فراسخ. ومن مدينة مرسية إلى مدينة غرناطة سبع مراحل، وبين ذلك بلاد صغار أولها مما يلي مرسية حصن لرقة، ثم حصن آخر يدعى بلس، ثم حصن آخر يدعى قلية، ثم بليدة صغيرة تسمى بسطة، ثم بليدة أخرى على مسيرة من غرناطة تسمى وادي آش، ويقال لها أيضا: وادي الأشي، هكذا سمعت الشعراء ينطقون بها في أشعارهم؛ فهذه هي البليدات التي بين غرناطة ومرسية. انتهى.

قلت: هذا ما ذكره عبد الواحد المراكشي صاحب كتاب المعجب في تلخيص أخبار المغرب، الذي انتهى من تأليفه لست بقين من جمادى الآخرة من سنة 621؛ أي قبل سقوط شرق الأندلس في أيدي الإسبان ببضع عشرة سنة، نقلنا منه أسماء البلاد المشهورة في شرق الأندلس الذي هو موضوع هذا الجزء.

ثم إننا نحب أن نذكر من سكن من بطون العرب وأفخاذها في شرق الأندلس، فمن هؤلاء بنو قاسم الأمراء الفضلاء، مرجعهم إلى فهر من قريش الظواهر، وكانوا في مدينة البونت عمل بلنسية. ومنهم أناس من بني كنانة، الذين منهم ابن جبير صاحب الرحلة، كانوا في شرقي الأندلس أيضا. وكان في أوريولة من بني هذيل ابن مدركة بن إلياس بن مضر، وبجوفي بلنسية من ينتسب إلى هوازن، وكل هؤلاء من العرب العدنانية. وكان في بلنسية كثير من المضرية.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٤٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٤٩٥