أدرك بخيلك خيل الله أندلسا
إن السبيل إلى منجاتها درسا
وقد أوردناها كلها في آخر هذا الجزء. ثم لما قضي الأمر ولم ينجع في أمر بلنسية علاج، واستولى الإسبانيون عليها وعلى مملكتها الاستيلاء النهائي، هاجر ابن الأبار بأهله إلى تونس. قال المقري في النفح: إن ذلك كان غبطة بإقبال السلطان عليه، فنزل منه بخير مكان ورشحه لكتب علامته في صدور مكاتباته مدة. ثم أراد السلطان صرفها لأبي العباس الغساني؛ لكونه يحسن كتابتها، فكتبها مدة بالخط المشرقي، وكان آثر عند السلطان من المغربي، فسخط ابن الأبار أنفة من إيثار غيره عليه، وافتأت على السلطان في وضعها في كتاب أمر بإنشائه لقصور الترسيل يومئذ في الحضرة عليه، وأن يبقى موضع العلامة منه لكاتبها، فجاهر بالرد ووضعها استبدادا وأنفة، وعوتب على ذلك فاستشاط غضبا ورمى بالقلم، وأنشد متمثلا:
اطلب العز في لظى وذر الذل
ل ولو كان في جنان الخلود
فنمى ذلك إلى السلطان فأمر بلزومه بيته. ثم استعتب السلطان بتأليف رقعة إليه عد فيه من عوتب من الكتاب وأعتب، وسماه «إعتاب الكتاب»، واستشفع فيه بابنه المستنصر؛ فغفر السلطان له وأقال عثرته وأعاده إلى الكتابة. ولما توفي السلطان رفعه أمير المؤمنين المستنصر إلى حضور مجلسه، ثم حصلت له أمور معه كان آخرها أنه تقبض عليه وبعث إلى داره فرفعت إليه كتبه أجمع، وألفي أثناءها فيما زعموا رقعة بأبيات أولها:
طغى بتونس خلف
سموه ظلما خليفه
فاستشاط السلطان لها، وأمر بامتحانه ثم بقتله، فقتل قعصا بالرماح وسط محرم سنة 658، ثم أحرق شلوه، وسيقت مجلدات كتبه وأوراق سماعه ودواوينه فأحرقت معه، وكان مولده ببلنسية سنة 595، وقال في حقه ابن سعيد في «المغرب» ما ملخصه: حامل راية الإحسان، المشار إليه في هذا الأوان، ومن شعره يصف الياسمين:
حديقة ياسمين لا
تهيم بغيرها الحدق
إذا جفن الغمام بكى
تبسم ثغرها اليفق
فأطراف الأهلة سال
في أثنائها الشفق
وهو حافظ متقن، له في الحديث والأدب تصانيف، وله كتاب في متخير الأشعار، سماه «قطع الرياض»، وله «تكملة الصلة» لابن بشكوال، و«هداية المعترف في المؤتلف والمختلف»، وكتاب التاريخ، وبسببه قتله صاحب إفريقية؛ قال في نفح الطيب: وأحرقت كتبه على ما بلغنا - رحمه الله تعالى - وله «تحفة القادم» في شعر الأندلس، و«الحلة السيراء في أشعار الأمراء». انتهى ملخصا.
| هوامش
| خاتمة الجزء الثالث
قد توخينا في هذا الجزء إشباع الكلام على شرق الأندلس بما لا تبقى معه حاجة في نفس يعقوب، وجعلنا بداية الإقليم الذي وصفناه ثغر طرطوشة الذي كانت فيه دار الصناعة البحرية، وبقي مدة طويلة هو الفاصل بين مملكتي المسلمين والنصارى، وكان يقيم فيه ناظر خاص للمسافرين الذين يطرءون من بلاد النصارى إلى بلاد المسلمين، وقد تولى هذا المنصب في جملة من تولوه القاضي منذر بن سعيد البلوطي الذي صار قاضي الجماعة في قرطبة.
فقد بدأنا جغرافية شرقي الأندلس ببلدة طرطوشة، وتقدمنا منها إلى الجنوب والجنوب الغربي مارين ببنشكلة وعقبة أبيشة إلى مربيطر فبلنسية مع توابعها الغربية والجنوبية والشرقية التي منها شارقة والجوفية بحسب قولهم، ومنها البونت. ومن هناك جئنا إلى شاطبة فدانية فمرسية مع توابعها، ومن هذه إلى البسيط وشنجالة من جهة الجوف، وانتهينا بلورقة، ولم نتقدم إلى المرية ووادي آش وبسطة مع أنها صارت مصاقبة لعمل مرسية. والسبب في ذلك هو أن حجم هذا الجزء قد زاد على الكفاية، ثم إن هذه المدن كانت هي الحدود الشرقية والجوفية لمملكة غرناطة بقية ممالك الإسلام في الأندلس، وبقيت نحوا من مائتين إلى ثلاثمائة سنة هي الحد الفاصل بين الإسلام والنصرانية بعد أن سقط حكم الإسلام عن بلنسية ومرسية في أواسط القرن السابع للهجرة والثالث عشر للمسيح.