تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما عرب اليمن فمنهم في شقورة بنو غافق من الأزد، وفي قبلي مرسية حي من طيء، وفي شرقي الأندلس كثير من جذام، منهم بنو هود الذين ملكوا سرقسطة مدة من الزمن. ومنهم بنو مردنيش يقولون إنهم من جذام، وبعض مؤرخي الإفرنج يرجحون أنهم من أصل إسبانيولي، وأن أصل مردنيش هو مرتينيس

Martinez ، ولكنهم جعلوا أنفسهم بطول الوقت عربا؛ لتكون لهم عصبية تساعدهم على الملك. وفي أندة بالقرب من بلنسية كثير من قضاعة. وفي مرسية كثير من عرب حضرموت. وكان الجنس البربري قليلا جدا في شرق الأندلس، وأكثرهم كانوا في الجبال؛ فكانت العروبة التامة غالبة على الشرق، وكان مع ذلك أكثر البربر قد استعربوا واندمجوا في العرب حتى لا يفرق الإنسان بين العرب والبربر. وجاء في كتاب «الجمان في أخبار الزمان» أن بربر الأندلس كان منهم أمراء وقواد وقضاة وعلماء وكتاب للملوك وكثير من رجال الشرع. وأشهر قبائلهم في الأندلس صنهاجة وزناتة ويفرن وهيلان وبنو الخزر وبنو عوسجة وبنو زروال وبنو رزين أمراء شنتمرية الشرق، وفي تطوان اليوم عائلة يقال لها بنو رزين يترجح أنهم من ذريتهم.

وفي شرقي الأندلس كثير من الأزد؛ فإن كثيرا من العلماء والأعيان يأتي في نسبته «الأنصاري»، وإذا قرأ القارئ تراجم علماء بلنسية ومرسية وشاطبة ودانية وغيرها من مدن شرقي الأندلس، تجلى له وشيج عروق العربية في ذلك الصقع بشكل عجيب، فضلا عما يتجلى له من كثرة عدد العلماء، والأدباء، والشعراء، وحفاظ كتاب الله والقراء، وفحول اللغة، مما قد زال كله تدريجا بتقلص ظل الإسلام عن الأندلس، ورجوعه من حيث أتى، وانحطاطه من حيث علا، بما كسبت أيدي أبنائه واستولى عليهم من التنازع والتخاذل، كما سيأتي تفصيله في باب التاريخ؛ فقضوا على أنفسهم بأنفسهم

إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال .

مراثي الأندلس

والآن نختم هذا الفصل الذي هو خاتمة هذا الجزء بذكر مراثي الأندلس، بادئين بمراثي بلنسية، التي أشهرها سينية صاحب التكملة ابن الأبار القضاعي، وهي التي أنشدها السلطان أبا زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص صاحب تونس، موفدا من قبل البلنسيين إلى الملك الحفصي بالصريخ؛ فاهتز لها وأرسل أسطوله إلى بحر بلنسية، إلا أنه لم يفز بطائل، واستولى العدو على تلك البلد

وكان أمر الله قدرا مقدورا .

أدرك بخيلك خيل الله أندلسا

إن السبيل إلى منجاتها درسا

وهب لها من عزيز النصر ما التمست

فلم يزل منك عز النصر ملتمسا

وحاش مما تعانيه حشاشتها

فطالما ذاقت البلوى صباح مسا

يا للجزيرة أضحى أهلها جزرا

للحادثات وأمسى جدها تعسا

في كل شارقة إلمام بائقة

يعود مأتمها عند العدا عرسا

وكل غاربة إجحاف نائبة

تثني الأماني حذارا والسرور أسى

تقاسم الروم لا نالت مقاسمهم

إلا عقائلها المحجوبة الأنسا

وفي بلنسية منها وقرطبة

ما يذهب النفس أو ما ينزف النفسا

مدائن حلها الإشراك مبتسما

جذلان وارتحل الإيمان مبتئسا

وصيرتها العوادي العائثات بها

يستوحش الطرف منها ضعف ما أنسا

فمن دساكر كانت دونها حرسا

ومن كنائس كانت قبلها كنسا

يا للمساجد عادت للعدا بيعا

وللنداء غدا أثناءها جرسا

لهفي عليها إلى استرجاع فائتها

مدارسا للمثاني أصبحت درسا

وأربعا نمنمت أيدي الربيع لها

ما شئت من خلع موشية وكسى

كانت حدائق للأحداق مونقة

فصوح النضر من أدواحها وعسا

وحال ما حولها من منظر عجب

يستجلس الركب أو يستركب الجلسا

سرعان ما عاث جيش الكفر وا حربا

عيث الدبا في مغانيها التي كبسا

وابتز بزتها مما تحيفها

تحيف الأسد الضاري لما افترسا

فأين عيش جنيناه بها خضرا

وأين غصن حنيناه بها سلسا

محا محاسنها طاغ أتيح لها

ما نام عن هضمها حينا ولا نعسا

ورج أرجاءها لما أحاط بها

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٤٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٤٩٦