وما أشبه ذلك من الشعر الذي تنبو عن بعضه الأسماع. قال لسان الدين: وهي طويلة تشتمل من التعريض والتحريض على كل غريب، واتخذ لها كنانة خشبية كأوعية الكتب، وكتب عليها «رقاص معجل إلى مالك بن المرجل»، وعمد إلى كلب وجعلها في عنقه وأوجعه ضربا حتى لا يأوي إلى أحد ولا يستقر، وذهب الكلب وخلفه من الناس أمة، وقرئ مكتوب الكنانة واحتمل إلى أبي الحكم، ونزعت من عنق الكلب ودفعت إليه، فوقف منها على كل فاقرة كفت من طماحه، وتحدث الناس بها مدة، ولم يغب عنه أنه من حيل ابن رشيق ففوق سهام المراجعة، وفي ذلك يقول:
كلاب المزابل آذينني
بأبوالهن على باب داري
وقد كنت أوجعها بالعصا
ولكن عوت من وراء الجدار
واستدعاه بآخرة أمير المغرب السلطان أبو يعقوب فاستكتبه واستكتب أبا الحكم ضده، فيقال إنه جر عليه خجلة كانت سبب وفاة أبي علي. (إلى أن قال): وأوضاعه غريبة، واختراعاته عجيبة، تعرفت أنه اخترع في سفرة الشطرنج شكلا مستديرا، وله الكتاب الكبير في التاريخ والتلخيص المسمى «بميزان العمل»، وهو من أظرف الموضوعات وأحسنها شهرة. قال: كان حيا سنة أربع وسبعين وستمائة.
ومن الرجال الذين يناسب ذكرهم عند ذكر مرسية زهير العامري، فتى الحاجب الغازي العظيم المنصور بن أبي عامر، قال عنه لسان الدين في الإحاطة: كان شهما داهية شديد المذهب، ولي بعد خيران صاحب المرية، وقام بأمره أحمد قيام سنة تسع عشرة وأربعمائة يوم الجمعة لثلاث خلون من جمادى الأولى، وكان أميرا لمرسية فوجه إليه خيران حين أحس الموت، فوصل إليه، وكان عنده إلى أن مات، فخرج زهير إلى الناس فقال لهم: أما خيران فقد مات وقد أقام أخاه زهيرا هذا فما تقولون؟ فرضي الناس به؛ فدامت مدة ولايته عشرة أعوام ونصف عام إلى أن قتل.
ثم ذكر لسان الدين خبر نهاية زهير العامري بالمعركة التي جرت بينه وبين باديس صاحب غرناطة، ودارت فيها الدائرة على زهير وقتل، وذلك عقب شوال سنة تسع وعشرين وأربعمائة، نقل ذلك عن ابن عذارى.
ومحمد بن محمد بن أحمد الأنصاري، يعرف بابن الجنان، ويكنى أبا عبد الله، من أهل مرسية. قال في الإحاطة: كان محدثا راوية ضابطا، كاتبا بليغا، شاعرا بارعا، رائق الخط، دينا فاضلا، خيرا زكيا، استكتبه بعض أمراء الأندلس، فكان يبرح من ذلك ويضيق منه، ثم خلصه الله تعالى منه، وكان من أعاجيب الزمان في إفراط القماءة
33
حتى يظن رائيه الذي استدبره أنه طفل ابن ثمانية أعوام. وكان متناسب الخلقة، لطيف الشمائل، وقورا، خرج من بلده حين تمكن العدو سنة 604؛ فاستقر بأوريولة إلى أن استدعاه بسبتة الرئيس أبو علي بن خلاص، فوفد عليه فأجل وفادته وأجزل إفادته، وحظي عنده حظوة تامة.
ثم توجه إلى إفريقية فاستقر ببجاية، وكانت بينه وبين كتاب عصره مكاتبات ظهرت فيها براعته، أخذ العلم ببلده، قال لسان الدين: إنه روى في مرسية عن أبي بكر بن خطاب، وأبي الحسن سهل بن مالك، وابن قطرال، وأبي الربيع بن سالم، وأبي عيسى بن أبي السداد، وأبي علي الشلويين النحوي الشهير وغيرهم.
ونقل لسان الدين عن القاضي أبي عبد الله بن عبد الملك أنه كان له في الزهد ومدح النبي
صلى الله عليه وسلم
بدائع ونظم في المواعظ، فمن ذلك قوله في توديع رمضان وليلة القدر:
مضى رمضان أو كأني به مضى
وغاب سناه بعد أن كان أومضا
فيا عهده قد كان أكرم معهد
ويا عصره أعزز علي أن انقضى
ألم بنا كالضيف في الطيف زائرا
فخيم فينا ساعة ثم قوضا
فيا ليت شعري إذ نوى غربة النوى
أبالسخط عنا قد تولى أم الرضا
قضى الحق فينا بالفضيلة جاهدا
فأي فتى فينا له الحق قد قضى
وكم من يد بيضاء أسدى لذي التقى
بثوب وفيها للصحائف بيضا
وقال في ليلة القدر:
فيا حسنها من ليلة جل قدرها
وحض عليها الهاشمي وحرضا
لعل بقايا الشهر وهي كريمة