تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وله كلام بديع في تفسير القرآن العزيز، فمن ذلك قوله: قال الله - سبحانه وتعالى:

الحمد لله رب العالمين ، علم الله عجز خلقه عن حمده فحمد نفسه بنفسه في أزله، فلما خلق الخلق اقتضى منهم أن يحمدوه بحمده، فقال:

الحمد لله رب العالمين ؛ أي الحمد الذي حمد به نفسه بنفسه هو له لا ينبغي أن يكون لغيره، فعلى هذا تكون الألف واللام للعهد. وقال في قوله تعالى:

إياك نعبد وإياك نستعين : إياك نعبد شريعة، وإياك نستعين حقيقة. إياك نعبد إسلام، وإياك نستعين إحسان. إياك نعبد عبادة، وإياك نستعين عبودية. إياك نعبد فرق، وإياك نستعين جمع.

وقال في قوله تعالى:

اهدنا الصراط المستقيم : أي بالتثبيت في ما هو حاصل، والإرشاد لما ليس بحاصل؛ فإنهم حصل لهم التوحيد بالإيمان وفاتهم درجات الصالحين. والصالحون يقولون:

اهدنا الصراط المستقيم ؛ أي نسألك التثبيت في ما هو حاصل والإرشاد إلى ما ليس بحاصل؛ لأنهم حصل لهم الصلاح ولكن فاتهم درجات الشهداء. والشهداء يقولون:

اهدنا الصراط المستقيم ؛ أي بالتثبيت في ما هو حاصل والإرشاد لما ليس بحاصل؛ فإنهم حصلت لهم درجة الشهادة وفاتهم درجة الصديقية. والصديق كذلك يقول:

اهدنا الصراط المستقيم ؛ إذ حصلت له درجة الصديقية وفاتته درجة القطبانية. والقطب كذلك يقول:

اهدنا الصراط المستقيم ؛ فإنه حصلت له رتبة القطبانية وفاته علم إذا شاء الله تعالى أن يطلعه عليه أطلعه.

وقال: الفتوة الإيمان؛ قال الله تعالى:

إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ، وقال في قوله تعالى حاكيا عن الشيطان:

ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم

الآية: ولم يقل من فوقهم ولا من تحتهم؛ لأن فوقهم التوحيد وتحتهم الإسلام. وقال - رضي الله عنه: التقوى في كتاب الله على أقسام: تقوى النار؛ قال الله - سبحانه وتعالى:

واتقوا النار ، وتقوى اليوم؛ قال تعالى:

واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ، وتقوى الربوبية؛ قال تعالى:

يأيها الناس اتقوا ربكم ، وتقوى الألوهية وتقوى الأنية:

واتقون يا أولي الألباب ، وقال في قول الرسول - عليه السلام: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر.» أي: لا أفتخر بالسيادة، وإنما الفخر لي بالعبودية لله.

وكان كثيرا ما ينشد:

يا عمرو ناد عبد زهراء

يعرفه السامع والرائي

لا تدعني إلا بيا عبدها

فإنه أشرف أسمائي

وقال: الزاهد جاء من الدنيا إلى الآخرة، والعارف جاء من الآخرة إلى الدنيا. وقال: العارف لا دنيا له؛ لأن دنياه لآخرته وآخرته لربه.

والحسين بن عتيق بن الحسن بن رشيق التغلبي، يكنى أبا علي، مرسي الأصل سبتي الاستيطان.

قال لسان الدين بن الخطيب في الإحاطة: كان نسيج وحده وفريد دهره إتقانا ومعرفة، ومشاركة في كثير من الفنون اللسانية والتعليمية، متجرا في التاريخ، ريان من الأدب، شاعرا مفلقا عجيبا، قادرا على الاختراع والأوضاع، جهم المحيا، موهش الشكل، يضم برداه طويا،

32

لا كفاء له، برز بمدينة سبتة، وكتب عن أميرها، وجرى بينه وبين الأديب أبي الحكم مالك بن المرجل من الملاحات والمهاترات أشد ما يجري بين متناقضين، آل به إلى الحكاية الشهيرة، وذلك أنه نظم قصيدة نصها (أوردها لسان الدين كلها ونحن نورد بعضها):

لكلاب سبتة في النباح مدارك

وأشدها دركا لذلك مالك

شيخ تفانى في البطالة عمره

وأجال فكيه الكلام الآفك

وألذ شيء عنده في محفل

لمز لأستار المحافل هاتك

يغشى مخاطرة اللئيم تفكها

ويعاف رؤيته الحليم الناسك

نبذ الوقار لصبية يهجونه

فسباله فرش لهم وأرائك

يبدي لهم سوآته ليسوءهم

بمسالك لا يرتضيها سالك

يا ابن المرحل لو شهدت مرحلا

وقد انحنى بالرحل منه الحارك

لشغلت عن ذم الأنام بشاغل

وثناك خصم من أبيك مماحك

لأقول للمغرور منك بشيبة

بيضاء طي الصحف منها حالك

عار على الملك المعظم أن يرى

في ذلك الصقع المقدس مالك

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٤٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٤٨٤