تبين سرا في الأواخر أغمضا
وقال اطلبوها تسعدوا بطلابها
فحرك أرباب القلوب وأنغضا
جزاه إله العرش خير جزائه
وأكرمنا بالعفو منه وبالرضا
وصلى عليه من نبي مبارك
رءوف رحيم للرسالة مرتضى
له غرة أعلا من الشمس منزلا
وعزمته أمضى من السيف منتضى
عليه سلام الله ما انهل ساكب
وذهب موشي الرياض وفضضا
قال لسان الدين: وكتابته شهيرة تضرب بها الأمثال، قالوا: لما جعل أمير المؤمنين أبو عبد الله محمد بن يوسف البيعة لابنه الواثق بالإمارة من بعده تولى إنشاءها، وجعل الحاء المهملة سجعها، مردفا إياها بالألف نحو صباحا وصلاحا، وما أشبه ذلك، وطال مجموعها فناهزت الأربعين، وطاب مسمعها فأحرزت بغية المستمعين، فكتب إليه أبو المطرف بن عميرة برسالته الشهيرة يداعبه في ذلك، وهي:
تحييك الأقلام تحية كسرى، وتقف الأفهام دون مداك حسرى. (ثم يقول): وما لك أمنت تغير الحالات فشننت غارتك على الحاءات، ونفضت عنها المهارق، وبعثت في طلبها السوابق، ولقطتها من الأفواه، وطلبتها بين الشفاه، حتى شهد أهل الشام بتزحزحها عن ذلك المكان، وتوارت بالحلوق، ولو تغلغلت إلى العروق لآثرتها جيادك واقتنصها قلمك ومدادك.
فأجابه بما نصه:
ما هذه التحية الكسروية؟ وما هذا الرأي وهذه الروية؟ أتنكيت من الأقلام أو تبكيت من الأعلام أو كلا الأمرين توجه القصد إليه؟! وهو الحق مصدقا لما بين يديه، وإلا فعهدي بالقلم يتسامى عن عكسه، ويترامى للغاية البعيدة بنفسه، فمتى لانت أنابيبه للعاجم ودنت أعاريبه للأعاجم، وا عجبا لقد استنوق الجمل واختلف القول والعمل، لأمر ما جدع أنفه قصير، وارتد على عقبه الأعمى أبا بصير، أمس أستسقي من سحابه فلا يسقيني، وأستشفي بأسمائه فلا يشفيني، واليوم يحلني محل أنوشروان، ويشكو مني شكوى الزيدية من بني مروان، ويزعم أني أبطلت سحره ببئر ذروان، ويخفي في نفسه ما الله مبديه، ويستجدي بالأثر ما عند مستجديه، فمن أين جاءت هذه الطريقة المتبعة والشريعة المبتدعة؟ أيظن أن معماه لا ينفك، وأنه لا ينجلي هذا الشك. هل ذلك منه إلا إمحاض التيه، وإحماض تفتيه، ونشوة من خمر الهزل. ونخوة من ذي ولاية أمن من العزل. (ومنها):
وإنما يستوجب الشكر جسيما، والثناء الذي يتضوع نسيما، الذي شرف إذ أهدى أشرف السحاءات، وعرف بما كان من انتحاء تلك الحاء المذمومة في الحاءات. فإنه وإن ألم بالفكاهة بما أملى من البداهة، وسمى باسم السابق السكيت، وكان من أمر مداعبته كيت وكيت، وتلاعب بالصفات تلاعب الصبا بالبانة، والصبا بالعاشق ذي اللبانة، فقد أغرب بفنونه، وأغرى القلب بفتونه، ونفث بخفية الأطراف، وعبث بالكلام المشقق الأطراف، وعلم كيف يمحض البيان ويخلص العقيان، فمن الحق أن أشكره على أياديه البيض، وأن آخذ لفظه من معناه في طرف النقيض ... (إلى آخر هذه الرسالة التي استقصاها لسان الدين وعقبها بقوله: ومحاسنه عديدة وآماده بعيدة). وكانت وفاته في بجاية في عشر وستمائة.
ومحمد بن عبيد الله بن داود بن خطاب، ترجمه لسان الدين بن الخطيب في الإحاطة فقال: من صلة ابن الزبير كان كاتبا بارعا شاعرا مجيدا، له مشاركة في أصول الفقه وعلم الكلام وغيرهما، مع نباهة وحسن فهم وحسن سمت. ورد على غرناطة واستعمل في الكتابة السلطانية، وكان عظيم القدر معظما عند الكافة، ثم إنه رجع إلى مرسية وقد ساءت أحوالها فأقام بها مدة، ثم انفصل عنها واستقر بالعدوة بعد مكابدة. قلت: وأخبرني شيخنا أبو الحسن بن الجياب - رحمه الله - قال: كان شكس الأخلاق متقاطبا زاهيا بنفسه (ثم ذكر له حادثة تدل على سوء خلقه)، وانصرف واستقر بتلمسان كاتبا عن سلطانها أبي يحيى يغمراسن بن زيان. وزعموا أن المستنصر أبا عبد الله بن الأمير أبي زكريا استقدمه على عادته في استقدام الكتاب المشاهير واستدعائه لحضرته العلماء، وبعث إليه ألف دينار من الذهب العين، ورد عليه المال، فكان ذلك أشق ما مر على المستنصر، وظهر له علو شأوه وبعد همته.