تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: إنه ورد في النفح نقلا عن أحد العلماء - ولم يذكر المقري اسمه - أن ابن سبعين أخذ عن أبي إسحاق بن دهاق.

فإليكم الآن ترجمة أبي إسحاق بن دهاق، نقلا عن لسان الدين بن الخطيب في الإحاطة.

إبراهيم بن يوسف بن محمد بن دهاق الأوسي، يكنى أبا إسحاق، ويعرف بابن المرأة، سكن مالقة دهرا طويلا، ثم انتقل إلى مرسية باستدعاء المحدث أبي الفضل المرسي والقاضي أبي بكر بن محرز، وكان متقدما في علم الكلام، حافظا للحديث والتفسير والفقه والتاريخ وغير ذلك، وكان الكلام أغلب عليه، فصيح اللسان والقلم، ذاكرا لكلام أهل التصوف، يطرز مجالسه بأخبارهم، وكان شيخ الجمهور بمالقة، بارعا في ذلك، حسن الفهم لما يلقيه، وثوبا على التمثيل والتشبيه في ما يقرب للفهم، مؤثرا للخمول، قريبا من كل أحد، حسن العشرة، مؤثرا بما لديه، وكان بمالقة يتجر في سوق الغزل.

قال الأستاذ أبو جعفر وقد وصمه: كان صاحب حيل ونوادر مستظرفة يلهي بها أصحابه ويؤنسهم، ومطلعا على أشياء غريبة من الخواص وغيرها فتن بها بعض الطلبة، واطلع كثير ممن شاهده على بعض ذلك، وشاهد منه بعضهم ما يمنعه الشرع من المرتكبات فنافره وباعده بعد الاختلاف إليه، منهم شيخنا القاضي العدل المسمى بالفاضل ابن المرابط رحمه الله. أخبرني من ذلك بإشهاده ما يقبح ذكره، وتبرأ منه من كان سعى في انتقاله إلى مرسية، والله أعلم بغيبه.

ومن تآليفه شرحه كتاب «الإرشاد» لأبي المعالي، وشرح الأسماء الحسنى، وألف جزءا في إجماع الفقهاء، وشرح «محاسن المجالس» لأبي العباس أحمد بن العريف، وألف غير ذلك، قال لسان الدين بن الخطيب: وتآليفه نافعة في أبوابها ، حسنة الرصف والمباني، ثم ذكر وفاته بمرسية سنة إحدى عشرة وستمائة.

ومن مفاخر مرسية ومفاخر الأندلس - بل الإسلام بأجمعه - السيد العارف الشهير أبو العباس أحمد المرسي، دفين الإسكندرية، وهو من أكابر الأولياء، صحب القطب الشهير السيد أبا الحسن الشاذلي، وقد عرف به ابن عطاء الله في كتابه «لطائف المنن في مناقب الشيخ سيدي أبي العباس وشيخه سيدي أبي الحسن»، وقال الصفدي في الوافي بالوفيات: أحمد بن عمر بن محمد الشيخ الزاهد الكبير العارف أبو العباس الأنصاري المرسي، وارث شيخه الشاذلي تصوفا، الأشعري معتقدا، توفي بالإسكندرية سنة 686، ولأهل مصر ولأهل الثغر فيه عقيدة كبيرة، وقد زرته لما كنت بالإسكندرية سنة 738.

قلت: وقد زرت أنا أيضا أبا العباس المرسي في الإسكندرية سنة 1308، وصليت الجمعة في مسجده بالقرب من الخديوي المرحوم محمد توفيق باشا بن إسماعيل خديوي مصر، وحضرت أيضا مولد المرسي في ذلك الثغر، فاجتمع فيه ألوف وعشرات ألوف من الأهالي، وأنشدني المرحوم السيد عبد القادر الغرياني - من أعيان الإسكندرية - أبياتا للسيد القصبي حفظت منها من أول دور:

توجه في الخطوب بحسن نيه

وزر أبطال ثغر سكندريه

ثم يقول:

أبا العباس إن سفين حظي

تكاد تطيح في لجج المنيه

وأنت السيد المرسي فهلا

رخاء أنت ترسيها هنيه

وهذا مما يدلك على عظيم اعتقاد أهل القطر المصري في السيد المرسي المشار إليه - رضي الله عنه - ولكن قول السيد القصبي - رحمه الله - أن أبا العباس هو المرسي لسفن الحياة لا يصح إلا بتأويل أنه بجاهه لدى الله تعالى وتوسله إليه يمكنه أن ينجي تلك السفن من الغرق، ولكن برغم هذا التأويل الذي لا يوجد غيره عند أهل السنة لتأويل الاستغاثة بالأولياء نجد الفرقة التي يقال لها السلفية، الآخذين بأقوال ابن تيمية وابن قيم الجوزية وابن عبد الوهاب يكفرون كل من يقول هذا القول أو ما يشبهه كائنا من كان، ويقولون: إن الاستغاثة لا تجوز إلا بالباري تعالى رأسا، وكل تأويل في أمرها غير نافع.

ونعود إلى ترجمة أبي العباس المرسي رحمه الله. جاء في نفح الطيب أنه كان يكرم الناس على نحو رتبهم عند الله تعالى، حتى إنه ربما دخل عليه مطيع فلا يحتفل به، وربما دخل عليه عاص فأكرمه؛ لأن ذلك الطائع أتى وهو متكثر بعمله ناظر لفعله وذلك العاصي دخل بكسر معصيته وذل مخالفته. وكان شديد الكراهة للوسواس في الصلاة والطهارة، ويثقل عليه شهود من كان على هذه الصفة. وذكر عنده يوما شخص بأنه صاحب علم وصلاح إلا أنه كثير الوسوسة، فقال: وأين العلم؟ العلم هو الذي ينطبع في القلب كالبياض في الأبيض والسواد في الأسود.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٤٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٤٨٣