تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهذه هي خلاصة ما وجدنا عن هذا الرجل الذي اختلف فيه الناس كما اختلفوا في محيي الدين بن عربي؛ فبعضهم غلا في المدح وبعضهم غلا في القدح، وقال صديقنا العلامة السيد رشيد رضا - رحمه الله - ونقلنا ذلك عنه في كتابنا «السيد رشيد رضا أو إخاء أربعين سنة»: «ومن أولئك المفتونين بوحي الشياطين من ظن أنه تجاوز درجة الأنبياء، ومنهم ابن سبعين الذي قال: لقد تحجر ابن آمنة واسعا بقوله «لا نبي بعدي». ومثل هذا الكلام هو الذي جرأ ميرزا غلام القادياني على ادعاء النبوة.» ا.ه. ولم أعلم أين عثر السيد رشيد - رحمه الله - على هذه الرواية عن ابن سبعين، وإن كنت لا أشك في أن مثل السيد رشيد لا يرميها جزافا.

وجاء في «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» للمؤرخ الشهير أبي الفلاح عبد الحي بن العماد الحنبلي، المتوفى سنة 1089، ذكر وفاة ابن سبعين سنة تسع وستين وستمائة، وقال فيه: ابن سبعين الشيخ قطب الدين أبو محمد عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر الإشبيلي المرسي الرقوطي

31

الأصل الصوفي المشهور، قال الذهبي: كان من زهاد الفلاسفة ومن القائلين بوحدة الوجود، له تصانيف وأتباع يقدمهم يوم القيامة. ا.ه.

وقال الشيخ عبد الرءوف المناوي في طبقاته: درس العربية والآداب بالأندلس، ثم انتقل إلى سبتة، وانتحل التصوف على قاعدة زهد الفلاسفة وتصرفهم، وعكف على مطالعة كتبه، وجد واجتهد، وجال في بلاد المغرب. ثم رحل إلى المشرق وحج حججا كثيرة، وشاع ذكره وعظم صيته وكثرت أتباعه على رأي أهل الوحدة المطلقة، وأملى عليهم كلاما في العرفان على رأي الاتحادية، وصنف في ذلك أوضاعا كثيرة، وتلقوها عنه وبثوها في البلاد شرقا وغربا. انتهى.

وقد سبق نقل هذه العبارات عن نفح الطيب عن ابن عبد الملك، لكن مع اختلاف قليل وتصرف، وهنا هي مروية عن عبد الرءوف المناوي. ثم إنه في شذرات الذهب ينقل عن ابن حبيب قوله عن ابن سبعين: صوفي متفلسف متزهد متعبد متقشف، يتكلم على طريق أصحابه، ويدخل البيت لكن من غير أبوابه، شاع أمره واشتهر ذكره، وله تصانيف وأتباع وأقوال تميل إليها بعض القلوب وتنكرها بعض الأسماع. ا.ه. وفي نفح الطيب الجمل بعينها مع اختلاف قليل في اللفظ منسوبة لصاحب درة الأسلاك.

ثم ذكر أيضا صاحب شذرات الذهب نقلا عن عبد الرءوف المناوي أن ابن سبعين قال لأبي الحسن الششتري عندما لقيه وقد سأله عن وجهته، فأخبره بقصده الشيخ أبا أحمد: إن كنت تريد الجنة فشأنك ومن قصدت وإن كنت تريد رب الجنة فهلم إلينا. ثم نقل المناوي عن البسطامي قوله في ابن سبعين: كان له سلوك عجيب على طريق أهل الوحدة، وله في علم الحروف والأسماء اليد الطولى، وألف تصانيف منها «كتاب الحروف الوضعية في الصور الفلكية»، وشرح كتاب إدريس - عليه السلام - الذي وضعه في علم الحروف وهو نفيس. ومن وصاياه لتلاميذه وأتباعه: عليكم بالاستقامة على الطريق، وقدموا فرض الشريعة على الحقيقة، ولا تفرقوا بينهما؛ فإنهما من الأسماء المترادفة، واكفروا بالحقيقة التي في زمانكم هذا، وقولوا عليها وعلى أهلها اللعنة. انتهى.

وأغراض الناس متباينة بعيدة عن الاعتدال؛ فمنهم المرهق المكفر، ومنهم المقلد، ومما شنع عليه به أنه ذكر إمام الحرمين فقال: إذا ذكر أبو جهل وهامان فهو ثالث الرجلين، وأنه قال في شأن الغزالي: إدراكه في العلوم أضعف من خيط العنكبوت . فإن صحت نسبة ذلك إليه فهو من أعداء الشريعة المطهرة بلا ريب. وقد حكي عن قاضي القضاة ابن دقيق العيد أنه قال: جلست معه من ضحوة إلى قريب الظهر وهو يسرد كلاما تعقل مفرداته ولا تفهم مركباته، والله أعلم بسريرة حاله. وقد أخذ عن جماعة منهم الحراني والبوني، مات بمكة. انتهى كلام المناوي بحروفه، هكذا جاء في شذرات الذهب.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٤٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٤٨٢