تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومما ينسب إلى ابن سبعين قوله - وقد جرى ذكر أبي مدين الولي الشهير - هذه الجملة: شعيب عبد عمل ونحن عبيد حضرة. وذكر ابن خلدون في تاريخه الكبير في ترجمة السلطان المستنصر أبي عبد الله محمد بن السلطان زكريا بن عبد الواحد بن أبي حفص ملك إفريقية أن أهل مكة بايعوه وخطبوا له بعرفة وأرسلوا له بيعتهم، وهي من إنشاء ابن سبعين، وسردها ابن خلدون بجملتها، وهي طويلة، وفيها من البلاغة والتلاعب بأطراف الكلام ما لا مطمع وراءه. قال في النفح: غير أنه يشير فيها إلى أن المستنصر هو المهدي المبشر به في الأحاديث، الذي يحثو المال ولا يعده، وحمل حديث مسلم وغيره عليه، وفي ذلك ما لا يخفى.

ولابن سبعين من رسالة: سلام عليك ورحمة الله، سلام عليك ثم سلام، مناجاتك سلام الله ورحمة الله الممتدة على عوالمك كلها، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله تعالى وبركاته، وصلى الله عليك كصلاة إبراهيم من حيث شريعتك، وكصلاة أعز ملائكتك من حيث حقيقتك، وكصلاته من حيث حقه ورحمانيته. السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا قياس الكمال ومقدمة العلم ونتيجة الحمد وبرهان المحمود، ومن إذا نظر الذهن إليه قرأ نعم العبد. السلام عليك يا من هو الشرط في كمال الأولياء وأسرار مشروطات الأذكياء الأتقياء، السلام عليك يا من جاور في السماوات مقام الرسل والأنبياء، وزادك رفعة واستعلاء على ذوات الملأ الأعلى، وذكر قوله تعالى:

سبح اسم ربك الأعلى

انتهى.

قال بعضهم عند إيراده جملة من رسائل ابن سبعين التي منها هذه: إنها تشتمل على ما يشهد له بتعظيم النبوة وإيثار الورع. ونقل صاحب نفح الطيب عن بعض كبار العلماء أن ابن سبعين ولد سنة 614، ودرس العربية والأدب بالأندلس، ونظر في العلوم العقلية، وأخذ عن أبي إسحاق بن دهاق، وبرع في طريقه، وجال في البلاد، وقدم القاهرة، ثم حج واستوطن مكة، وطار صيته وكثر أتباعه، وله كتاب «الدرج»، وكتاب «السفر»، وكتاب «الكد»، وكتاب «الإحاطة»، ورسائل كثيرة في الأذكار وترتيب السلوك والوصايا والمواعظ والغنائم، ومن شعره:

كم ذا تموه بالشعبين والعلم

والأمر أوضح من نار على علم

وكم تعبر عن سلع وكاظمة

وعن زرود وجيران بذي سلم

ظللت تسأل عن نجد وأنت بها

وعن تهامة هذا فعل متهم

في الحي حي سوى ليلى فتسأله

عنها سؤالك وهم جر للعدم

ونشأ ترفا مبجلا في ظل جاه ونعمة لم تفارق معها نفسه البأو، وكان وسيما جميلا، ملوكي البزة، عزيز النفس، قليل التصنع، وكان آية من الآيات في الإيثار والجود بما في يده - رحمه الله تعالى - ونقل صاحب نفح الطيب عن لسان الدين بن الخطيب أنه لما وردت على سبتة المسائل الصقلية، وكانت جملة من المسائل الحكمية وجهها علماء الروم تبكيتا للمسلمين، انتدب ابن سبعين للجواب المقنع عنها على فتاء من سنه وبديهة من فكرته رحمه الله تعالى. ونقل صاحب النفح عن كتاب «عنوان الدراية» أن ابن سبعين رحل إلى العدوة، وسكن بجاية مدة، وأخذ الناس عنه في فنون خاصة، وكانت له مشاركة في المعقول والمنقول، وفصاحة لسان، وطلاقة قلم، وفهم جنان، وله أتباع كثيرون من الفقراء ومن عامة الناس، وله موضوعات كثيرة موجودة بأيدي أصحابه له فيها ألغاز وإشارات بحروف أبجد، وله تسميات مخصوصة في كتبه هي من نوع الرموز، وله شعر في التحقيق وفي مراقي أهل الطريق، وكتابته مستحسنة في طريق الأدباء، وله من الفضل والمزية ملازمته لبيت الله الحرام، والتزامه الاعتمار على الدوام، وحجه في كل عام.

ولقد مشى به للمغاربة في الحرم الشريف حظ لم يكن له في غير مدته، وكان أهل مكة يعتمدون على أقواله، ويهتدون بأفعاله، توفي - رحمه الله - يوم الخميس تاسع شوال سنة 669. انتهى ببعض اختصار.

ومما رواه صاحب النفح عنه أن أبا الحسن الششتري - من تلاميذ ابن سبعين - كان بعض الطلبة يرجحونه على شيخه أبي محمد بن سبعين، فكان يقول: إنما ذلك لعدم اطلاعهم على حال الشيخ وقصور باعهم. ومن تآليف ابن سبعين كتاب «الفتح المشترك».

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٤٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٤٨١