تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقيل إنه كان يكتب عن نفسه: «ابن 5» يعني الدارة التي هي كالصفر، وهي في حساب المغاربة سبعون؛ فشهر لذلك بابن دارة، ولما ذكروا هذا الشريف الغرناطي تمثل بالبيت المشهور:

محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا

ترجمة وافية لابن سبعين

نقل المقري في نفح الطيب عن صاحب «درة الأسلاك» في حوادث سنة 669 وفاة الشيخ قطب الدين أبي محمد عبد الحق بن سبعين المرسي، صوفي متفلسف متزهد متقشف، يتكلم على طريق أصحابه، ويدخل البيت ولكن من غير أبوابه، شاع أمره واشتهر ذكره، وله تصانيف وأتباع وأقوال تميل إليها بعض القلوب وتملها بعض الأسماع، وكانت وفاته بمكة المشرفة عن نحو خمسين سنة، تغمده الله برحمته. ا.ه.

ونقل صاحب النفح رسالة لأحد تلاميذ ابن سبعين يظن اسمه يحيى بن محمد بن أحمد بن سليمان، واسم الرسالة «الوراثة المحمدية والفصول الذاتية»، قال فيها: فإن قيل ما الدليل على أن هذا الرجل الذي هو ابن سبعين هو الوارث المشار إليه؟ قلنا: عدم النظير، واحتياج الوقت إليه، وظهور الكلمة المشار إليها عليه، ونصيحته لأهل الملة، ورحمته المطلقة للعالم المطلق، ومحبته لأعدائه وقصده لراحتهم مع كونهم يقصدون أذاه، وعفوه عنهم مع قدرته عليهم، وجذبهم إلى الخير مع كونهم يطلبون هلاكه، وهذه كلها من علامات الوراثة والتبعية المحضة التي لا يمكن أحدا أن يتصف بها إلا بمجد أزلي. (ثم أخذ يعد مزايا ابن سبعين) فقال: إن الله خلقه من أشرف البيوت التي في بلاد المغرب، وهم بنو سبعين، قرشيا هاشميا علويا، وأبوه وجدوده يشار إليهم ويعول في الرئاسة عليهم، والثاني كونه من بلاد المغرب، والنبي - عليه السلام - قال: لا يزال طائفة، من أهل المغرب ظاهرين إلى قيام الساعة. وما ظهر من بلاد المغرب رجل أظهر منه، فهو المشار إليه بالحديث. (إلى أن يقول): انظر في بدايته وحفظ الله - سبحانه - له في صغره، وضبطه له من اللهو واللعب، وإخراجه من اللذة الطبيعية التي هي في جبلة البشرية، وتركه للرئاسة العرضية المعول عليها عند العالم مع كونه وجدها في آبائه، وهي الآن في إخوته، وخروجه عن الأهل والوطن، وانقطاعه إلى الحق، تعلم تخصيصه وخرقه للعادة.

ثم انظر في تأيده وفتحه من الصغر، وتأليفه كتاب «بدء العارف» وهو ابن خمس عشرة سنة، وفي جلالة هذا الكتاب وكونه يحتوي على جميع الصنائع العلمية والعملية، تجده خارقا للعادة، وفي نشأته بالأندلس ولم يعلم له من قبل كثرة نظر وظهوره مع ذلك بالعلوم التي لم تسمع قط تعلم أنه خارق للعادة، وفي تواليفه واشتمالها على العلوم كلها وانفرادها، وخصوصيتها بالتحقيق الشاذ عن أفهام الخلق، تعلم أنه مؤيد بروح القدس، وفي شجاعته وقوة توكله ونصره لصنائعه وإقامة حقه وبرهانه وفصاحة كلامه وبيان سلطانه تعلم أن ذلك بقوة إلهية. (ومضى صاحب هذه الرسالة في هذه المبالغات إلى أن انتهى وقد جعل ابن سبعين شخصا خارقا للعادة في بني آدم.)

ونقل صاحب النفح عن أبي الحسن بن برغوش التلمساني شيخ المجاورين بمكة - وكانت له معرفة تامة بهذا الرجل - أنه كان إذا قرب من باب من أبواب مسجد المدينة - على ساكنها الصلاة والسلام - يهراق منه دم كدم الحيض. والله تعالى أعلم بحقيقة أمره. وحدث مع ذلك أصهاره بمكة أنه زار النبي

صلى الله عليه وسلم

مستخفيا على طريق المشاة.

وقال لسان الدين بن الخطيب: أما شهرته ومحله من الإدراك والآراء والأوضاع والأسماء، والوقوف على الأقوال، والتعمق في الفلسفة، والقيام على مذاهب المتكلمين، فمما يقضي منه بالعجب، وقال الشيخ أبو البركات بن الحاج البلقيني: حدثني بعض أشياخنا من أهل المشرق أن الأمير أبا عبد الله بن هود سالم طاغية النصارى، فنكث به ولم يف بشرطه، فاضطره ذلك إلى مخاطبة القس الأعظم برومية - أي البابا - فوكل أبا طالب بن سبعين أخا أبي محمد عبد الحق بن سبعين في التكلم عنه والاستظهار بين يديه، قال: فلما بلغ ذلك الشخص رومية - وهو بلد لا يصل إليه المسلمون - ونظر إلى ما بيده وسئل عن نفسه فأخبر بما ينبغي، كلم ذلك القس من دنا منه بكلام معجم ترجم لأبي طالب بما معناه: اعلموا أن أخا هذا ليس للمسلمين اليوم أعلم بالله منه. ا.ه.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٤٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٤٨٠