وكان عدلا موصوفا بصحة التقييد واتساع الرواية، متقللا منقبضا عن الناس، وكان القاضي أبو عبد الله بن سعادة يثني عليه ويصفه بالضبط، وكان من أصحاب الشيخ أبي علي الصدفي روى عنه كثيرا، وأراده أبو العباس بن الحلال على القضاء فامتنع وآثر الاعتزال ولزم مزرعة له بخارج مرسية. ثم رغب إليه الناس في آخر عمره أن يجلس للإقراء فأجاب إلى ذلك، وتنافس الناس في حضور درسه؛ لأنه آخر المكثرين من الرواة عن أبي علي الصدفي. قال ابن الأبار: وسماه ابن بشكوال في معجم مشيخته، وروى عنه جلة من شيوخنا وغيرهم، مولده بمرسية في المحرم سنة 490، وتوفي بها في شعبان أو رمضان سنة 566، وقيل سنة 567.
وأبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن محمد السلمي الكاتب، من أهل مرسية، يعرف بالمكناسي، روى عن أبي عبد الله بن سعادة، وعني بالأدب فرأس في الكتابة وشارك في قرض الشعر، وديوان رسائله بأيدي الناس يتنافس فيه، وكتب للأمير أبي عبد الله بن سعد بن مردنيش، وكتب لغيره من الأمراء، ذكره ابن سفيان وقال: به ختمت البلاغة في الأندلس. وأخذ عنه أبو القاسم الملاحي كثيرا من نظمه ونثره، توفي بمراكش سنة 571 وهو دون سن الاكتهال، قاله ابن الأبار.
وأبو بكر عبد الرحمن بن عبد الله بن موسى بن سليمان الأزدي، يعرف بابن برطله، تقدمت ترجمة والده عبد الله، وعبد الرحمن المترجم هنا هو سبط القاضي أبي علي الصدفي، أخذ القراءات عن أبي علي بن عريب، وسمع ابن أبي ليلى، وأبا عبد الله بن سعادة، وأبا القاسم بن حبيش، وغيرهم، وقرأ بشاطبة وببلنسية وبقرطبة، فممن أخذ عنهم في بلنسية أبو الحسن بن النعمة، وبقرطبة أبو القاسم بن بشكوال، وأخذ بإشبيلية عن أبي بكر بن الجد، وولي قضاء دانية مدة ثم صرف عنه حميد السيرة معروف النزاهة، وولي صلاة الفريضة والخطبة بجامع مرسية دهرا طويلا.
وكان فقيها محدثا أديبا مع جمال الشارة والجلالة والسراوة والفصاحة ونباهة البيت، توفي ببلده مرسية ليلة الاثنين الحادي والعشرين من ربيع الأول سنة 599، وصلي عليه عصر ذلك اليوم، ودفن إلى جانب أبيه لصق دارهم بمقربة من الباب الحديد، ومولده سنة 547، أكثر خبره عن ابن سالم، قاله ابن الأبار.
وعبد الملك بن وليد بن محمد بن وليد بن مروان بن عبد الملك بن محمد بن مروان بن خطاب، يعرف بابن أبي جمرة، وبيتهم في مرسية شهير، روى عن أبيه وليد بن محمد، وروى عنه ابنه موسى بن عبد الملك، قاله ابن الأبار.
وأبو مروان عبد الملك بن موسى بن عبد الملك بن وليد بن أبي جمرة هو حفيد المترجم قبله، سمع من أبيه موسى، وأبي عمرو المقري، وغيرهما، وحدث عنه ابنه أبو العباس أحمد بن عبد الملك، توفي بمرسية لسبع خلون من جمادى الآخرة سنة 485.
وأبو الأصبغ عبد العزيز بن يوسف بن عبد العزيز بن يوسف بن إبراهيم بن فيره بن عمر اللخمي، من أهل مرسية، سكن تلمسان، وأصله من أندة، يعرف بابن الدباغ، روى عن أبيه الحافظ أبي الوليد، وعن جده لأمه أبي عبد الله محمد بن أحمد بن وضاح القيسي، وأجاز له العلماء الجلة كأبي عبد الله بن الحاج، وأبي الحسن شريح، وأبي بكر بن العربي، وغيرهم، وشيوخه أزيد من سبعين، وكان أبوه من أئمة المحدثين. عن ابن الأبار.
وأبو محمد عبد الجبار بن موسى بن عبد الله الجذامي المعروف بالشمنتي، كان من أهل المعرفة بالقراءات والعربية، وكان يقرؤها جميعا بمرسية، وكان من أهل الدين والفضل، أخذ عنه أبو محمد بن الفرس، جاء ذكره في التكملة لابن الأبار، ولم يذكر سنة وفاته.
وأبو محمد عبد الحق بن محمد بن عبد الرحمن القيسي المرسي، سبط عبد الحق بن عطية، أخذ عن أبي محمد بن سهل الضرير، وأبي القاسم بن حبيش، وكان متفننا في العلوم الشرعية والنظر بها، ولد سنة 539، وتوفي في المحرم سنة 598.