وذكره ابن عياد ووصفه بالتفنن في المعارف، والرسوخ في الفقه وأصوله، والمشاركة في علم الحديث وفي الأدب، وقال: كان صليبا في الأحكام، مقتفيا للعدل، حسن الخلق والخلق، جميل المعاملة، لين الجانب، فكه المجالسة، ثبتا، حسن الخط، من أهل الإتقان والضبط، كانت عنده أصول حسان بخط عمه مع الصحيحين بخط الصدفي في سفرين، قال: ولم يكن عند شيوخنا مثل كتبه في صحتها وإتقانها وجودتها، ولا كان فيهم من رزق عند الخاصة والعامة من الحظوة والذكر وجلالة القدر ما رزقه، وذكره ابن سفيان أيضا، وأبو عمر بن عات، ورفعوا جميعا بذكره.
وقال القاضي أبو بكر بن مفوز: كان حسن التقييد والضبط، ثقة مأمونا في ما حمل ونقل، سمعت القاضي محمد بن عاشر يقول يوم موته: رحم الله أبا عبد الله، كان من أهل العلم والعمل، أو كان عنده العلم والعمل، وتوفي بشاطبة مصروفا عن قضائها في منسلخ ذي الحجة سنة 565، ودفن أول يوم من سنة 566. قال ابن الأبار: وقرأت بخط شيخنا أبي الخطاب بن واجب أنه توفي ليلة الاثنين، ودفن يوم الاثنين أول يوم من محرم سنة 566 بالروضة المنسوبة إلى أبي عمر بن عبد البر، ومولده بمرسية في رمضان سنة 496.
وأبو بكر محمد بن عبيد الله بن عفان الغافقي، من أهل مرسية، كان يسكن الحمة من أعمالها، وكان حافظا للفقه، عارفا بالمسائل وبالاتفاق والاختلاف، مشاركا في غير ذلك من أدب ونسب وسواهما، ذكره ابن سفيان وقال: توفي سنة 566، وترجمه ابن الأبار.
وأبو عبد الله محمد بن أحمد الأزدي، يعرف بابن عسكر، كانت له رحلة حج فيها وسمع «الشهاب» للقضاعي من أبي القاسم بن الفحام عنه، وقفل فحدث به، ذكره ابن الأبار ولم يذكر سنة وفاته.
وأبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن بن طاهر القيسي، من أهل مرسية ورئيسها في الفتنة، تفقه ببلده عند أبي جعفر بن أبي جعفر، ورحل إلى قرطبة فلقي أبا مروان بن مسرة وطبقته، وسمع من أبي الوليد بن الدباغ، وأبي القاسم بن ورد، وأبي محمد بن عطية، وأبي بكر بن برنجال، وأجاز له ابن العربي وغيره، وكان يذهب في جميع ما يحمله إلى الدراية. ثم طالع العلوم القديمة؛ أي الفلسفية، فبرز فيها وصار إماما من أئمتها، ورأس بمرسية يسيرا بعد انقراض دولة الملثمين. قال ابن الأبار: ثم تخلى عن ذلك وتلون للناس رغبة في السلامة، وتوفي بمراكش سنة 574، عن ابن سفيان. ا.ه. وقد ورد ذكر بني طاهر هؤلاء في تاريخ مرسية للمؤلف الإسباني مما تقدم ترجمته.
وأبو عبد الله محمد بن رافع بن محمد بن حسن بن رافع القيسي، من أهل مرسية، سمع أبا القاسم بن حبيش واختص به، وأبا محمد بن عبيد الله، وأبا عبد الله بن حميد، وأبا عبد الله بن مالك المولي (نسبة إلى مولة من ملحقات مرسية)، وتفقه بأبي عمر البشيجي، وأخذ العربية عن أبي جعفر أحمد بن مفرج الملاحي، وأجاز له أبو القاسم بن بشكوال وغيره، وكان حسن المشاركة في علم القرآن والعربية له عناية بالحديث، وكان من أكرم الناس خلقا وأجملهم سمتا، وتولى القضاء بمولة، ولما جرت هزيمة الأذفونش بن شانجه في وقعة الأرك على مقربة من قلعة رباح في تاسع شعبان سنة 591، وكانت هزيمة متناهية في النكاية ظهر فيها المسلمون ظهورا عظيما على الإسبانيين الذين زحفوا بأعظم جيش وقتئذ، قيل خمسة وعشرين ألف فارس ومائتي ألف راجل، وكان معهم جماعات من تجار اليهود قد جاءوا لاشتراء أسرى المسلمين وأسلابهم، وأعدوا لذلك أموالا؛ فخابت آمالهم، وحاز الموحدون جميع ما احتوت عليه محلة النصارى.
قلنا: لما جرت تلك الهزيمة على الإسبان ذهبت وفود المسلمين لتهنئة أمراء الموحدين في إشبيلية بهذه البطشة الكبرى - التي كانت آخر بطشة من نوعها لمسلمي الأندلس - وكان أبو عبد الله محمد بن رافع في وفد مرسية، فبعد وصوله إلى إشبيلية توفي إلى رحمة ربه، وذلك في ذي الحجة سنة 591، ومولده سنة 554، ذكر هذا ابن الأبار.