تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأبو بكر محمد بن محمد بن الطيب بن الحسين بن هرقل العتقي، من أهل مرسية، سمع أبا القاسم بن حبيش، وأبا عبد الله بن حميد وغيرهما، وولي القضاء في مواضع عدة من كور مرسية، وولي قضاء شاطبة فاستعفى وأعفي، وتقدم للخطبة في جامع مرسية، وكان حسن السمت معروفا بالعدالة متقدما بين أهل بلده، وهو أخو أبي القاسم الطيب بن محمد وكبيره. توفي يوم السبت 28 رجب سنة 594 وقد نيف على الأربعين، قاله ابن الأبار.

ومحمد بن أحمد بن عبد الملك بن موسى بن عبد الملك بن وليد بن محمد بن وليد بن مروان بن عبد الملك بن محمد بن مروان بن خطاب بن عبد الجبار، قال ابن الأبار في التكملة: هكذا وجدت نسبته بخط يده، وكثيرا ما يختصره فيقول بعد عبد الملك الثالث: «ابن أبي جمرة»، وعبد الجبار هذا هو ابن خطاب بن مروان بن نذير مولى مروان بن الحكم. ومحمد بن مروان هو أبو جمرة ومنتماهم في الأزد من أهل مرسية.

وكان المترجم يكنى أبا بكر، سمع من أبيه كثيرا، وتفقه به وبقريبه أبي القاسم محمد بن هشام بن أحمد بن وليد، وبالقاضي أبي بكر بن أسود، قرأ عليه تأليفه في تفسير القرآن، وقرأ على أبي محمد بن أبي جعفر الخشني، وأخذ عن أبي عامر بن شروية خطبة مناولة، وسمع منه الحديث المسلسل في الأخذ باليد. واستجاز له قريبه أبو القاسم محمد بن هشام علماء ذلك العصر، كأبي الوليد بن رشد، وأبي بحر الأسدي، واستجاز هو لنفسه أبا القاسم بن ورد، وأبا بكر بن العربي، وأبا الحسن شريح، وأبا محمد الرشاطي، وأبا الفضل بن عياض، وهذه الطبقة العليا، ومن غير الأندلسيين أبا عبد الله المازري، وأبا طاهر السلفي محدث الدهر، ولقي أبا محمد عبد الحق بن عطية في قصده مرسية.

قال ابن الأبار: وصده حينئذ عن دخولها وماشاه في طريقه وناوله تأليفه في التفسير، وأذن له في الرواية عنه، ولقي أيضا أبا الحسن بن هذيل، وأبا الوليد بن الدباغ، وأبا بكر بن رزق، وأبا الحسن بن النعمة، وأبا عبد الله بن سعادة، وأبا بكر بن الجد، فأخذ عنهم وأجازوا له إلا ابن هذيل وابن النعمة منهم. وسمع من أبي إسحاق إبراهيم بن صالح المقرئ كتاب الشهاب ومسنده للقضاعي، وناظر في المسائل عند أبي جعفر بن أبي جعفر أعواما، وتدرب مع أبي محمد عاشر بن محمد، وسمع منه جملة من تأليفه الكبير في شرح المدونة، ومع أبي عبد الله محمد بن يحيى بن سعدون وأجازوا له، وعني بالرأي وحفظه، وولي خطة الشورى وسنه لا يزيد على إحدى وعشرين، وقدم للفتيا مع شيوخه في تاسع ذي الحجة سنة 536 أيام تأمر ابن أبي جعفر. ثم جدد له الأمير محمد بن سعد تقديمه إلى خطة الشورى، وأول من شاوره من القضاة أبو الحسن سليمان بن موسى بن برطلة؛ فظهرت براعته في أول قضية.

ونص تقديم ابن أبي جمرة للشورى عن أبي جعفر: هذا كتاب تنويه وترفيع، وإنهاض إلى مرقى رفيع، أمر بكتبه الأمير الناصر للدين أبو جعفر بن أبي جعفر - أدام الله تأييده ونصره - للوزير الوجيه الأجل المشاور الحسيب الأكمل أبي بكر بن أبي جمرة - أدام الله عزه - أنهضه به إلى الشورى؛ ليكون عندما يقطع بأمر أو يحكم في نازلة يجري الحكم بها على ما يصدر عن مشورته ومذهبه؛ لما علمه من فضله وذكائه، وجده في اكتساب العلم واقتنائه؛ ولكون هذه المرتبة ليست طريفة له بل تليدة متوارثة عن أسلافه الكريمة وآبائه؛ فليتحملها تحمل المستقل بأعبائها، اللحن

28

بأنبائها، العالم بمقاصدها المتوخاة المعتهدة وأنحائها، والله يزيده تنويها وترفيعا ويبوئه من حظوته وتمجيده مكانا رفيعا، وكتب في التاسع لذي حجة 539 (الثقة بالله عز وجل) هذه علامة ابن أبي جعفر.

قال ابن الأبار: وتقلد قضاء مرسية وبلنسية وشاطبة وأوريولة في مدد مختلفة، وامتحن بآخرة من عمره في امتناعه من قضاء مرسية نفعه الله بذلك. وكان فقيها حافظا بصيرا بمذهب مالك، عاكفا على تدريسه، فصيح اللسان، حسن البيان، عدلا في أحكامه، جزلا في رأيه، عريقا في النباهة والوجاهة.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٤٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٤٧١