وقال إنه كان قد صنف كتابه المحكم مجنسا ليدل الباحث على مظنة الكلمة المطلوبة، فأراد هذه المرة أن يعدل به كتابا يضعه على الأبواب؛ أي على المواضيع؛ لأنه رأى ذلك أجدى؛ فإنه إذا كانت للمسمى أسماء كثيرة وللموصوف أوصاف عديدة تنقى الخطيب والشاعر منها ما أراد، واتسعا في ما يحتاجان إليه من سجع أو قافية على مثال البساتين تجمع أنواع الرياحين، فإذا دخلها الإنسان أهوت يده إلى ما استحسنته حاستا نظره وشمه. وقال على المصنفين في اللغة قبله إنهم إذا أعوزتهم الترجمة لاذوا بأن يقولوا «باب نوادر»، وربما أدخلوا الشيء تحت ترجمة لا تشاكله.
ثم عاد فأثنى على كتابه كما كان قد أثنى في صفحة سابقة على نفسه؛ مما يؤخذ دليلا على أن بعض الأئمة لم يستنكفوا عن تبيين محاسن آثارهم، وقد رأينا طائفة منهم يتحدثون بنعم الله، ويذكرون ما آتاهم الله من فضله، وربما ترجموا أنفسهم بأقلامهم، وذلك مثل الإمام السيوطي، وياقوت الحموي في معجم الأدباء، ولسان الدين بن الخطيب، والحافظ بن حجر، وابن شامة، وغيرهم، ومن الأدباء ابن الأثير صاحب المثل السائر، وابن حجة الحموي صاحب خزانة الأدب، وغيرهما.
والخلاصة أنه قال: وكتابنا من كل ذلك بحيث الشمس من العيب والنجم من الهرم والشيب. ومن طريف ما أودعته إياه بغاية الاستقصاء ونهاية الاستقراء وإجادة التعبير والتأنق في محاسن التحبير الممدود والمقصور والتأنيث والتذكير، وما يجيء من الأسماء والأفعال على بناءين وثلاثة فصاعدا، وما يبدل من حروف الجر بعضها مكان بعض. ا.ه.
ثم ذكر من محاسن تأليفه إضافة الجامد إلى الجامد، والمنصرف إلى المنصرف، والمشتق إلى المشتق، والمرتجل إلى المرتجل، والمستعمل إلى المستعمل، والغريب إلى الغريب، والنادر إلى النادر. وذكر ابن سيده الكتب التي أخذ عنها مثل كتاب أبي حنيفة في الأنواء والنبات، وكتاب يعقوب في النبات، وكتب أبي حاتم في الأزمنة وفي الحشرات وفي الطير، وكتب الأصمعي في السلاح وفي الإبل وفي الخيل، وكتاب أبي زيد في الغرائز والجرائم. وقال إنه أخذ أيضا عن المصنف وغريب الحديث لأبي عبيد، وكتب يعقوب كالإصلاح والألفاظ والفرق والأصوات والزبرج والمكنى والمبني والمد والقصر ومعاني الشعر، وكتابي ثعلب الفصيح والنوادر، وكتب الفراء، والمبرد، وكراع، والنضر، وابن الأعرابي، واللحياني، وابن قتيبة. وقال إنه أخذ من الكتب المجنسة؛ أي المرتبة على حروف الهجاء؛ كالجمهرة والعين، وكتاب البارع لأبي علي القالي، والزاهر لأبي بكر الأنباري، وكتاب سيبويه، وكل ما سقط إليه من كتب أبي علي الفارسي؛ كالإيضاح والحجة والإغفال، ومسائله المنسوبة كالحلبيات والقصريات والبغداديات والشيرازيات، وكتاب أبي سعيد السيرافي في شرح كتاب سيبويه، وكتب أبي الفتح بن جني؛ مثل التمام والمعرب والخصائص وسر الصناعة والمتعاقب، وشرح شعر المتنبي، وتفسير شعر الحماسة، وكتب أبي الحسن بن الرماني، وهي الجامع في تفسير القرآن والمبسوط في كتاب سيبويه، وشرح موجز أبي بكر بن السري.
قال وإنه أودع المخصص كتابه هذا ما لم يسبق إليه من تعاريف المنطق، ورد الفروع إلى الأصول، وحمل الثواني على الأوائل، وكيفية اعتقاب الألفاظ الكثيرة على المعنى الواحد، وقصد من الاشتقاق أقربه إلى الكلمة المشتقة وأدله عليها بقول بليغ شاف، وقد وجد في ذلك اختلافا كثيرا، فإما اقتصر على أصحه عنده وإما ذكر اختلافهم. قال: وهو مع ذلك لا يدعي الإحاطة؛ فالله وحده هو الذي أحاط بكل شيء علما، لكنه أعمل في ذلك الاجتهاد، فإن كان قد أصاب فهو ما إليه قصد، وإن تكن الأخرى فقد قيل: إن الذنب عن المخطئ بعد التحري موضوع، وقال: إنه ربما وقعت أثناء كتابي هذا كلمة متغيرة عن وضعها؛ فإن كان ذلك فإنما هو موقوف على الحملة ومصروف إلى النقلة؛