تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم ذكر ابن سيده أن القدماء ألفوا في هذه اللسان الفصيحة كتبا أورثوا فيها علوما جمة نفيسة، ولكن وجد ذلك نشرا غير ملتئم؛ إذ كان لا كتاب نعلمه إلا وفيه من الفائدة ما ليس في صاحبه، وقال إنه لم ير لهم فيها كتابا مشتملا على جلها فضلا عن كلها، وأن المؤلفين فيها حرموا الارتياض بصناعة الإعراب، فلا يبينون ما قلبت فيه الألف عن الياء مما انقلبت الواو فيه عن الياء، ولا يحدون الموضع الذي انقلاب الألف فيه عن الياء أكثر من انقلابها عن الواو مع عكس ذلك، ولا يميزون مما يخرج على هيئة المقلوب ما هو منه مقلوب وما هو من ذلك لغتان، وذلك كجذب وجبذ، ويئس وأيس، ورأى وراء، ولا ينبهون على ما يسمعونه غير مهموز مما أصله الهمز، ولا يفرقون بين القلب والإبدال ولا بين ما هو جمع يكسر عليه الواحد وبين ما هو اسم للجمع، وغير ذلك؛ مما حمله على جمع كتاب مشتمل على جميع ما سقط إليه من اللغة إلا ما لا بال به، وأن يضع على كل كلمة قابلة للنظر تعليلها ويحكم تفريعها وتأصيلها، وإن لم تكن الكلمة قابلة لذلك وضعها على ما وضعوه وتركها على ما ودعوه.

قال: ولم تزل الأيام به عن هذا الأمل قاطعة بما يستغرق زمنه من جواهد الأشغال، ويأتر متن قوته من لواهد الأعباء والأثقال حتى نفذ ما لوى من عنانه إليه، وهو أمر الموفق الملك الأعظم والهمام الأكرم، يريد به أبا الجيش الموفق العامري الذي كان استولى على الجزائر الشرقية وعلى مرسية ونواحيها، وأثنى عليه ثناء جما وقال: إنه أحيا ميت الفضل، وأقام منآد السياسة بالعدل، وملأ الخافقين ذكره أرجا، وعم قلوب الثقلين حبه لهجا.

ولما كان الملك الموفق المشار إليه ذا ملكة ذكرها المؤرخون في العلم والفضل ومادة اعترف له بها المعاصرون من جهتي العقل والنقل أشار ابن سيده إلى ذلك فقال: إنه لما شرح الله صدره لقبول مشروعه، وتصفح هذا اللسان العربي فرأى العلم به معينا على جميع العلوم عامة وعلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه خاصة، أراد حصر ما حكت منه ثقات الأئمة، وتأمل ما صنفته أعيان رواتهم ومشاهير ثقاتهم، فجلت له دقة نظره عن مثل ما جلت لابن سيده من أنهم لم يضعوا في اللغة كتابا جامعا، ولا أبانوا موضوعات الأشياء بحقائقها، ولا تحرزوا من سوء العبارة وإبانة الشيء بنفسه وتفسيره بما هو أغرب منه، وأنه تأمل فوجد غير ابن سيده لا يقوم بهذا العمل، وقال هذا القول في حق نفسه: «وكلا عجم؛ فوجدني أعتق تلك القداح جوهرا، وأشرفها عنصرا، وأصلها مكسرا، وأوفرها قسما، وأعلاها عند الإجالة اسما، فأهلني لذلك واستعملني فيه، وأمرني باللزوم له والمثافنة عليه بعد أن هداني سواء السبيل إلى علم كيفية التأليف، وأراني كيف توضع قوانين التصريف، وعرفني كيف التخلص إلى اليقين عند تخالج الأمر لما يعترض من الظنون من تعاضد وتعاند، وعقد علي في ذلك إيجاز القول وتسهيله وتقريبه من الأفهام بغاية ما يمكن؛ فدعا مني إلى كل ذلك سميعا وأمر به مطيعا.»

ومهما يكن ابن سيده مبالغا في بيان معارف الملك الموفق مجاهد العامري على عادة علماء كل عصر في إطراء ملوكهم، فلا شك في أن لذلك أصلا أصيلا، وأن الملك الموفق مجاهدا العامري كان ملكا عالما جليلا. ثم ذكر ابن سيده بعض فضائل المخصص فقال: إن منها تقديم الأعم فالأعم على الأخص فالأخص، والإتيان بالكليات قبل الجزئيات، والابتداء بالجواهر والتقفية بالأعراض، وتقديم كم على كيف، وشدة المحافظة على التقييد والتحليل. قال: مثال ذلك ما وصفته في صدر هذا الكتاب حين شرعت في القول على خلق الإنسان، فبدأت بتنقله وتكونه شيئا فشيئا، ثم أردفت بكلية جوهره، ثم بطوائفه، وهي الجواهر التي تأتلف منها كليته، ثم ما يلحقه من العظم والصغر، ثم الكيفيات كالألوان إلى ما يتبعها من الأغراض والخصال الحميدة والذميمة. ا.ه.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٤٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٤٦٣