تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونحن مع ذلك لا نجد بدا من تسمية جميع الأشياء لتحتاز بأسمائها، وينماز بعضها عن بعض بأجراسها وأصدائها، كما تباينت أول وهلة بطباعها وتخالفت قبل ذلك بصورها وأوضاعها، ونعما ما سددت الحكماء إليه في ذلك من دقيق الحكمة ولطيف النظر والصنعة لما حرصوا عليه من الإيضاح، وأغذوا إليه من إيثار الإبانة والإفصاح. فأما اللفظة التي تدل على كميتين مختلفتين منفصلتين أو متصلتين كالبشر الذي يقع على العدد الكثير والقليل، والجلل الذي يقع على العظيم والصغير، واللفظة التي تدل على كيفيتين متضادتين كالنهل الواقع على العطش والري، واللفظة الدالة على كيفيات مختلفة كالجون الواقع على السواد والبياض والحمرة، وكالسدفة المقولة على الظلمة والنور وما بينهما من الاختلاط، فسآتي على جميعها مستقصى في فصل الأضداد من هذا الكتاب مثبتا له غير جاحد، ومضطرا إلى الإقرار به على كل ناف معاند، ومبرئا للحكماء المتواطئين على اللغة أو الملهمين إليها من التفريط، ومنزها لهم عن رأي من وسمهم في ذلك بالذهاب إلى الإلباس والتخليط. وكذلك أقول على الأسماء المترادفة التي لا يتكثر بها نوع ولا يحدث عن كثرتها طبع، كقولنا في الحجارة: حجر وصفاة ونقلة، وفي الطويل طويل وسلب وشرحب، وعلى الأسماء المشتركة التي تقع على عدة أنواع كالعين المقولة على حاسة البصر وعلى نفس الشيء، وعلى الربيئة، وعلى جوهر الذهب، وعلى ينبوع الماء، وعلى المطر الدائم، وعلى حر المتاع، وعلى حقيقة القبلة، وغير ذلك من الأنواع المقولة عليها هذه اللفظة، ومثل هذا الاسم المشترك كثير، وكل ذلك ستراه واضحا أمره مبينا عذره في موضعه إن شاء الله.

وقد اختلفوا في اللغة أمتواطأ عليها أم ملهم إليها. وهذا يحتاج إلى فضل تأمل، غير أن أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة إنما هو تواضع واصطلاح لا وحي ولا توقيف. إلا أن أبا علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار بن سليمان الفارسي النحوي قال: هي من عند الله. واحتج بقوله سبحانه:

وعلم آدم الأسماء كلها ، وهذا ليس باحتجاج قاطع؛ وذلك أنه قد يجوز أن يكون تأويله أقدر آدم على أن واضع عليها. وهذا المعنى من عند الله - سبحانه - لا محالة، فإذا كان ذلك محتملا غير مستنكر سقط الاستدلال به. (إلى أن يقول): فإذا قد بينا ما اللغة أمتواطأ عليها أو موحى بها وملهم إليها، فلنقل على حدها وهو عام لجميع اللغات؛ لأن الحد طبيعي، ثم لنردف ذلك بالقول على اشتقاق الاسم الذي سمته العرب به، وهو خاص بلسانها؛ لأن الأسماء تواطئية، أما حدها - ونبدأ به لشرف الحد على الرسم - فهو أنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، وهذا حد دائر على محدوده محيط به لا يلحقه خلل؛ إذ كل صوت يعبر به عن المعنى المتصور في النفس لغة، وكل لغة فهي صوت يعبر به عن المعنى المتصور في النفس.

وأما وزنها وتصريفها وما تحلل إليه من الحروف وتتركب عنه، فهي فعلة متركبة من حرف ل غ و ه وإليها تنحل؛ لأن التحلل إنما هو إلى مثل ما يقع عليه التركب، يقال: لغوت؛ أي تكلمت، وأصلها لغوه، ونظيرها قله وكره وثبه، كلها لامها واو؛ لقولهم: قلوت بالقله، وكروت بالكره؛ ولأن الثبه كأنها من مقلوب ثاب يثوب، والجمع لغات ولغون ككرات وكرين، يجمعونها بالواو والنون إشعارا بالعوض من المحذوف مع الدلالة على التغيير.

فلما رأيت اللغة على ما أريتك من الحاجة إليها لمكان التعبير عما نتصوره وتشتمل عليه أنفسنا وخواطرنا، أحببت أن أجرد فيها كتابا يجمع ما تنشر من أجزائها شعاعا وتنثر من أشلائها حتى قارب العدم ضياعا، ولا سيما هذه اللغة المكرمة الرفيعة المحكمة البديعة، ذات المعاني الحكيمة المرهفة والألفاظ اللدنة القويمة المثقفة، مع كون بعضها مادة كتاب الله تعالى الذي هو سيد الكلام لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ا.ه.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٤٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٤٦٢