491
المجاورة لطليطلة، مائلا إلى الغرب، ومجاورا للبحر المتوسط، الموازي لقرطاجنة الخلفاء، التي من بلد لورقة، وللحوز الشرقي المعروف بالأندلس الأقصى. وتجري أوديته إلى الشرق، وأمطاره بالريح الشرقية، وهو من حد جبل البشكنس، هابطا مع وادي «أبره»
492
إلى بلد «شنت
493
مرية»، ومن جوف هذا البحر وغربه المحيط، وفي القبلة منه البحر الغربي، الذي منه يجري البحر المتوسط، الخارج إلى بلد الشام، وهو البحر المسمى ببحر «تيران»
494
ومعناه الذي يشق دائرة الأرض، ويسمى البحر الكبير. انتهى.
قال أبو بكر عبد الله بن عبد الحكم المعروف بابن النظام: بلد الأندلس عند علماء أهله أندلسان: فالأندلس الشرقي منه ما صبت أوديته إلى البحر الرومي المتوسط المتصاعد من أسفل أرض الأندلس إلى المشرق، وذلك ما بين مدينة تدمير إلى سرقسطة. والأندلس الغربي ما صبت أوديته إلى البحر الكبير المعروف بالمحيط، أسفل من ذلك الحد، إلى ساحل المغرب. فالشرقي منهما يمطر بالريح الشرقية، ويصلح عليها؛ والغربي يمطر بالريح الغربية، وبها صلاحه، وجباله هابطة إلى الغرب، جبلا بعد جبل. وإنما قسمته الأوائل جزئين لاختلافهما في حال أمطارهما، وذلك أنه مهما استحكمت الريح الغربية، كثر مطر الأندلس الغربي، وقحط الأندلس الشرقي. ومتى استحكمت الريح الشرقية كثر مطر الأندلس الشرقي، وقحط الغربي. وأودية هذا القسم تجري من الشرق إلى الغرب، بين هذه الجبال. وجبال الأندلس الغربي تمتد إلى الشرق، جبلا بعد جبل، تقطع من الجوف إلى القبلة، والأودية التي تخرج من تلك الجبال يقطع بعضها إلى القبلة، وبعضها إلى الشرق، وتنصب كلها إلى البحر المحيط، بالأندلس القاطع إلى الشام، وهو البحر الرومي. وما كان من بلاد جوفي الأندلس من بلاد جليقية وما يليها، فإن أوديته تنصب إلى البحر الكبير المحيط بناحية الجوف
495 (وصفة الأندلس) شكل مركن على مثال الشكل المثلث:
ركنها الواحد:
فيما بين الجنوب والمغرب، حيث اجتماع البحرين عند صنم قادس.
وركنها الثاني:
في بلد جليقية، حيث الصنم المشبه صنم قادس، مقابل جزيرة بريطانية.
وركنها الثالث:
بين مدينة نربونة، ومدينة برديل من بلد الفرنجة، بحيث يقرب البحر المحيط من البحر الشامي المتوسط فيكادان يجتمعان في ذلك الموضع فيصير بلد الأندلس جزيرة بينهما في الحقيقة، لولا أنه يبقى بينهما برزخ برية صحراء وعمارة مسافة مسيرة يوم للراكب منه المدخل إلى الأرض الكبيرة، التي يقال لها الأبواب، ومن قبله يتصل بلد الأندلس بتلك البلاد المعروفة بالأرض الكبيرة، ذات الألسن المختلفة.
قال: وأول من سكن بالأندلس على قديم الأيام، فيما نقلته الإخباريون، من بعد عهد الطوفان، على ما يذكره علماء عجمها، قوم يعرفون بالأندلش، معجمة الشين بهم سمي المكان، فعرب فيما بعد بالسين غير المعجمة، كانوا الذين عمروها، وتناسلوا فيها وتداولوا ملكها دهرا، على دين التمجس والإهمال والإفساد في الأرض، ثم أخذهم الله بذنوبهم، فحبس المطر عنهم، ووالى القحط عليهم، وأعطش بلادهم حتى نضبت مياهها، وغارت عيونها، ويبست أنهارها، وبادت أشجارها، فهلك كثرهم، وفر من قدر على الفرار منهم، فأقفرت الأندلس منهم وبقيت خالية، فيما يزعمون، مائة سنة وبضع عشر سنة، وذلك من حد بلد الفرنجة إلى حد بحر الغرب الأخضر وكان عدة ما عمرتها هذه الأمة البائدة مائة عام وبضع عشرة سنة. ثم ابتعث الله لعمارتها الأفارقة،
496
فدخل إليها بعد إقفارها تلك المدة الطويلة، قوم منهم، أجلاهم ملك أفريقية تخفيفا منهم، لإمحال توالي على أهل مملكته، وتردد عليهم، حتى كاد يفنيهم، فحمل منهم خلقا في السفن مع قائد من قبله يدعى أبطريقس، فأرسوا بريف الأندلس الغربي، واحتلوا بجزيرة قادس، فأصابوا الأندلس قد أمطرت وأخصبت فجرت أنهارها، وانفجرت عيونها، وحييت أشجارها، فنزلوا الأندلس مغتبطين وسكنوها معتمرين وتوالدوا فيها، فكثروا، واستوسعوا في عمارة الأرض، ما بين الساحل الذي أرسوا فيه بغربيها، إلى بلد الأفرنجة من شرقيها، ونصبوا من أنفسهم ملوكا عليهم، ضبطوا أمرهم، وتوالوا على إقامة دولتهم، وهم مع ذلك على ديانة من قبلهم من الجاهلية، وكانت دار مملكتهم «طالقة»؟ الخراب اليوم، من أرض أشبيلية، اخترعها ملوكهم وسكنوها، فاتسق ملكهم بالأندلس مائة وسبعة وخمسين عاما، إلى أن أهلكهم الله تعالى ونسخهم بعجم رومة، بعد أن ملك من هؤلاء الأفارقة في مدتهم تلك أحد عشر ملكا.