امرر بقاضي القضاة إن له
حقا على كل مسلم يجب
وكان بليغا متصرفا في أنواع البلاغة، كتب إليه أبو الحسن بن الحاج:
ما زلت أضرب في علاك بمقولي
دأبا وأورد في رضاك وأصدر
فاليوم أعذر من يطيل ملامة
وأقول: زد شكوى فأنت مقصر
فأجابه:
الفخر يأبى والسيادة تحجر
أن يستبيح حمى الوفاء مزور
ولدي إن نفث الصديق لراحة
صدق الوفاء وشيمة لا تغدر
وعليك أن ترضى فسمع ملامة
عين الثناء وعهدة لا تخفر
وكتب إليه أبو العباس القرباقي:
21
أما ترى اليوم يا ملاذي
يحكيك في البشر والطلاقه
والبحر يرتج مثل قلب
راقب من إلفه فراقه
فامنن بمشي إلي إني
ما لي على الصبر عنك طاقه
فأجابه:
عندي لما تشتهي بدار
يشهد أني على علاقه
فاخبر بما شئت صدق عهدي
تجد دليلا على الصداقه
واسكن إلى رأي ذي احتفاء
يعجز من رامه لحاقه
ترجمه ابن عميرة في البغية، وقال إنه توفي سنة 516.
والطيب بن محمد بن هارون العتقي، مرسي فقيه، توفي سنة 328، ذكره ابن عميرة.
وبشر بن محمد أبو الحسن، محدث زاهد فاضل، توفي بمرسية بعد الخمسمائة، ذكره ابن عميرة أيضا.
وأبو غالب تمام بن غالب بن عمر المعروف بابن التياني المرسي، كان إماما في اللغة وثقة فيها، مذكورا بالديانة والعفة والورع، وله كتاب مشهور جمعه في اللغة لم يؤلف مثله، وله فيه قصة تدل على فضله مضافا إلى علمه؛ أخبر أبو محمد علي بن أحمد قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله المعروف بابن الفرضي أن الأمير أبا الجيش مجاهد بن عبد الله العامري، وجه إلى تمام بن غالب أيام غلبته على مرسية، وأبو غالب ساكن بها، ألف دينار أندلسية على أن يزيد في ترجمة هذا الكتاب مما ألفه تمام بن غالب لأبي الجيش مجاهد؛ فرد الدنانير، وأبى من ذلك، ولم يفتح في هذا بابا البتة، وقال: والله لو بذلت لي الدنيا على ذلك ما فعلت ولا استجزت الكذب، فإني لم أجمعه له خاصة، لكن لكل طالب علم. قال ابن عميرة في البغية وقد روى هذه القصة: فاعجب لهمة هذا الرئيس وعلوها، واعجب لنفس هذا العالم ونزاهتها. توفي أبو غالب تمام سنة 436، وفيها مات أبو الجيش المجاهد الموفق بدانية.
وخطاب بن أحمد بن خطاب فقيه عارف، من أهل مرسية، روى عن الحافظ أبي بكر بن العربي وغيره، وتفقه بقرطبة. قال ابن عميرة في البغية: وكان ذكيا، جالسته كثيرا، توفي قبل الثمانين وخمسمائة.
وأبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي جعفر الخشني، واحد وقته بشرق الأندلس حفظا ومعرفة وعلما بالفروع وسبقا فيها غير منازع، مشهور بالفضل، محافظ على نشر العلم وصونه، تعظمه الأمراء وتعرف له حقه، وتتبرك به وبصالح دعائه، ولم يكن قبله ولا بعده بمرسية أكثر صدقة منه، قاله ابن عميرة في البغية، وأردف ذلك بقوله: ولم يزل كذلك طول حياته إلى أن توفي. أخبرت عنه أنه اشترى ذات يوم فرسا في السبيل لبعض المجاهدين، واجتمع عنده البائع والمشترى له، وحضر الثمن فبكى البائع، فقال له: ما يبكيك؟ ترانا نقصناك من ثمن فرسك؟ قال: لا، ولكني أبيعه في افتكاك ابن لي مجاهد أسره العدو قصمه الله. فقال له: وبكم افتككته؟ فقال: بكذا، لعدد أكثر من ثمن الفرس؛ فأخرج له فدية ابنه ودفع إليه فرسه، وأمر باشتراء فرس آخر لذلك المجاهد بثمن ذلك الفرس. ومن هذا كثير جدا.
روى عن حاتم بن محمد الطرابلسي وغيره، ورحل فحج وانصرف، ولم يزل يقرئ الحديث والفقه بمرسية إلى أن توفي بها سنة 526، ومولده سنة 447، قال ابن عميرة: حدثني عنه ابن عم أبي، قرأ عليه سنة 513، وقد جاءت ترجمة هذا الفاضل في الصلة لابن بشكوال، ذكر أنه روى عن أبي الوليد الباجي، وأبي عبد الله بن سعدون القروي، وأنه أخذ بطليطلة عن أبي المطرف عبد الرحمن بن محمد بن سلمة، قال: ورحل إلى المشرق فحج وسمع صحيح مسلم بن الحجاج من أبي عبد الله الحسين الطبري، وكان حافظا للفقه على مذهب مالك، مقدما فيه على جميع أهل وقته، بصيرا بالفتوى، عارفا بالتفسير، وانتفع طلاب العلم بصحبته وعلمه، وكان رفيعا عند أهل بلده مرسية، كثير الصدقة والذكر لله تعالى، كتب إلينا بإجازة ما رواه بخطه، وتوفي - رحمه الله - لثلاث خلون من شهر رمضان سنة 526 بمرسية، ومولده سنة 447. انتهى ملخصا عن ابن بشكوال.