تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال المؤرخ الإسبانيولي: وقعت هذه الحوادث في أوائل سنة 1241، وهو تاريخ ذو شأن خاص فيما يتعلق بمرسية. وقفل الأمير ألفونسو إلى برغش مبشرا والده بهذه المملكة الجديدة الغنية التي غنمتها قشتالة دون أن يراق في سبيلها قطرة دم. وكان الأمير ألفونسو ولى على مرسية ولاة من المسيحيين بجانب الأمير العربي، وأخذ يتعرف أحوال لورقة وقرطاجنة استعدادا لفتحها فيما بعد، واستولى على موله بقلاعها وأبراجها، وعاد إلى والده بالفتح والنصر. انتهى.

قلنا: وهذا مثال من أمثلة عديدة مما كان يصنعه المسلمون بعضهم ببعض في الأندلس حتى صاروا إلى الانقراض بما كسبت أيديهم. قال الله تعالى:

وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين .

وفي الفصل الواحد والعشرين يذكر أن الملك سان فرناندو عندما جاء ابنه إليه حاملا بشرى دخول مرسية في مملكة قشتالة كان في مدينة طليطلة، فبالغ بالاحتفال والابتهاج بهذا الفتح المبين، ولما كان يعلم ما يمتاز به العرب من سرعة التقلب وعدم الاستقرار وجه عنايته إلى الاحتفاظ بملك مرسية خاصة؛ لما في دخولها تحت طاعة قشتالة من زيادة قوة الجيش القشتالي، وفتح مجال جديد لانتشار المسيحية؛ فبادر بالسير إلى مرسية مستصحبا كبار رجال دولته وقواد جيشه من القشتاليين والليونيين، وكان معه ابنه الدون ألفونسو. فلما وصل إلى مرسية احتفل بوصوله المسلمون والمسيحيون معا، وأعلن الملك للمرسيين أنه سيسير فيهم بالعدالة التي يتبعها في سائر مملكته، وأنه سيعمل لتوطيد السلام والنظام عندهم، وأنه سيحمي مرسية من كل اعتداء خارجي ومن مطامع ملك غرناطة ابن الأحمر.

وحدث في أثناء وجود الملك بمرسية أن الأمير زيدا أبا زيد الذي سبق ذكر تنصره ترجى الملك تعميد ولديه اللذين كان يريد إدخالهما في النصرانية، فرأى الملك سان فرناندو من باب السياسة أن تكون حفلة التعميد حفلة شعبية عامة؛ ليكون عمل الأمير أبي زيد بمثابة مثال يحتذى ويدخل المسلمون في دين المسيح أفواجا. وهكذا تم وتسمى الولدان فرناندو وألفونسو باسم ملك قشتالة واسم ولي عهده.

ثم أخذ الملك بتنظيم حكومة مرسية وجعل ابن هذيل أميرا عليها بالتبعية له، وعاد إلى برغش بعد أن خلف في مرسية الدون رودريق ألفونسو قائدا لحاميتها، ولما كان المقصد هو مقاتلة ابن الأحمر جمع الدون رودريق جيشا من المسلمين والمسيحيين وزحف به قاصدا إلى غرناطة، لكنه لقي هزيمة منكرة في شيريبل

Chirivel ، وترك أهم رجاله من العرب والإسبانيين قتلى في الميدان، فلما وصل خبر هذه الهزيمة إلى سان فرناندو خاف مغبة تأثيرها، فسار بنفسه لمحاربة ابن الأحمر، وأمر ولده الدون ألفونسو أن يحافظ على مرسية، فظهر جيش فرناندو على جيش ابن الأحمر، وكان ذلك سببا في تمكينه وتسهيل أمور ولده في إمارة مرسية؛ فاستولى على لورقة وقرطاجنة، واستصفى تلك الإمارة كلها.

ثم إن الأعمال العسكرية في قشتالة وفي المقاطعات الأندلسية اقتضت أن يستدعي الملك ابنه الدون ألفونسو من مرسية ويعهد بولايتها إلى أخيه الأمير دون مانويل، وفي أثناء ذلك تزوج الأمير ألفونسو بابنة ملك أراغون؛ فتوطدت بذلك روابط الصداقة بين المملكتين قشتالة وأراغون، ثم رجع الأمير دون ألفونسو إلى مرسية، فما كاد يستقر بها حتى جاءه نداء من والده يستدعيه إلى إشبيلية، حيث كان قد ضيق عليها الخناق ولكنه لم يتمكن منها بالنظر لشدة المقاومة التي أبداها عرب إشبيلية؛ فزحف الدون ألفونسو من مرسية بجيش جرار، وفي الوقت نفسه وصل مدد آخر من ملك أراغون الذي كان مساعدا لملك قشتالة في حصار إشبيلية؛ فضغطت هذه الجيوش كلها مجتمعة على إشبيلية فلم يبق أمامها إلا التسليم؛ فسقطت إشبيلية في يد الملك سان فرناندو صاحب قشتالة في 22 ديسمبر سنة 1248.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٤٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٤٥٠