وفي الفصل الثاني والعشرين ذكر الإسباني مؤرخ مرسية أن استيلاء مملكة أراغون على بلنسية سنة 1233 كان سببا في خروج جميل بن زيان بن مردنيش من تلك البلدة ببقايا جيشه ملتجئا إلى بلاد مرسية. فأقام بقرية من قراها، واعصوصب حوله رجال كثيرون، وأخذ شأنه يعظم؛ فاختل نظام الأمن في القرى المجاورة التي كانت بفضل إدارة الأمير ألفونسو القشتالي قد ذاقت طعم الراحة زمنا. ثم أخذ عرب بلنسية يهاجرون أوطانهم، فانضوى منهم كثير تحت لواء جميل هذا، فصار تحت يده جيش قوي الشكيمة، واحتل بعض المعاقل، فسرح إليه والي مرسية جيشا مؤلفا من العرب والإسبانيين تحت قيادة القائد العربي عزيز بن عبد الملك؛ لأجل القضاء على ثورة ابن زيان المذكور، فكان نصيب هذه الحملة الفشل التام وسقوط القائد عزيز بن عبد الملك قتيلا في المعركة.
فزاد هذا النشاط ابن زيان ومد سلطته على قرطاجنة ولورقة، ووجد في أمير لورقة محمد بن علي بن عبد الله خير عضد، وكان هذا من مهاجرة بلنسية، خرج منها مع ابن زيان، وتولى أمر لورقة؛ فأصلح شئونها وقام فيها بمصالح عمرانية مهمة، وأخذ في ذلك الوقت مكان ابن زيان يعلو وأمره يغلظ حتى في مرسية نفسها. وشعر ابن هذيل بضعف ملك قشتالة عن حمايته لما كان مشغولا به من الحروب في غربي الأندلس، وأخذ المسلمون المرسيون يراقبون الخلاف الناشب بين مملكتي قشتالة وأراغون، ويتتبعون سير الحوادث لتحقيق مطامعهم في إخراج المسيحيين من مرسية.
وفي ذلك الوقت توفي الملك سان فرناندو، وكانت وفاته في إشبيلية سنة 1252، وخلفه ابنه دون ألفونسو العاشر، وبايعه المسلمون والمسيحيون معا، ولكن لم تمض على هذه البيعة ثلاث سنوات حتى صارت مرسية على أتم الاستعداد للانتقاض والانقضاض على المسيحيين، فرأى ملك غرناطة ابن الأحمر أن الفرصة سانحة لإدخال مرسية في طاعته، فاتفق مع ابن هذيل على مقاومة ملك قشتالة؛ فاندلع لهيب الثورة في جميع تلك الجهات، وجرت على المسيحيين مذابح لم تشهد بلاد مرسية مثلها من قبل، ثم نادى المرسيون بمبايعة ابن الأحمر ملكا على مرسية كما هو ملك على غرناطة.
فلما بلغ الخبر ملك قشتالة الدون ألفونسو جمع زعماء مملكته واستشارهم في ما يجب أن يعمل؛ فأجمعوا الغارة على ملك غرناطة؛ لأنه هو قوة الظهر لعرب مرسية؛ فتوجه الملك ألفونس إلى إشبيلية وسرح جيشا في البر وأسطولا في البحر لمحاصرة قرطاجنة، فاستولى عليها، وبعد استيلائه عليها وجه حملاته على مرسية؛ فاستنجد ابن الأحمر وحليفه ابن هذيل يعقوب بن يوسف ملك المغرب، وقاومت مرسية مقاومة شديدة عجزت جيوش الملك ألفونس عن التغلب عليها.
وفي الفصل الثالث والعشرين ذكر المؤرخ الإسباني أنه لما عجز الملك ألفونسو عن أخذ مرسية كتب إلى ملك أراغون الدون خيمي يلتمس منه النجدة، فوعده ملك أراغون بالنصرة؛ لأنهما يد واحدة على المسلمين، غير أن ملك قشتالة كان يفكر في تتويج أخيه الدون مانويل ملكا على مرسية بعد تمهيد أمرها، ولم يكن ملك أراغون مرتاحا إلى هذه الفكرة، فحصل الأخذ والرد بينهما، وانحلت العقدة على وجه أن يتزوج الدون مانويل بابنة ملك أراغون. وكانت ملكة قشتالة؛ أي زوجة الدون ألفونسو، هي ابنة ملك أراغون أيضا، فكانت تغار من شقيقتها ولا تقدر أن تتصور هذه واضعة على رأسها تاج مرسية ملقبة بلقب ملكة؛ فبلغت الغيرة بين الشقيقتين أن راسلت ملكة قشتالة سلطان غرناطة ابن الأحمر على أن يترك المرسيين وشأنهم ويكون في مقابلة ذلك آمنا على مملكته غرناطة وتوابعها، وأن يسلم تاج مرسية إلى ملك قشتالة على شريطة أن يبقى على رأس مرسية أمير مسلم، وتم الاتفاق على ذلك، وأمضى هذا العهد ابن الأحمر وولي عهده، وأمضاه أيضا ملك قشتالة.
وبذلك وصلت الملكة إلى ما تريد، واستقامت العلاقات بين ملكي قشتالة وغرناطة، وأقبل كل منهما على شأنه. ولم ينس ابن الأحمر أن يأخذ الوعد من ملك قشتالة بالعفو عن ابن هذيل إذا غلب الملك على مرسية، فزحف ملك قشتالة ألفونسو على مرسية من جهة وزحف خيمي ملك أراغون من جهة أخرى، وكل منهما يريد مرسية، وخيف من القتال بينهما، ورأى ابن هذيل أنه واقع في يد أحد هذين الملكين المسيحيين، وأجمع أن يلوذ بابن الأحمر؛ فأفهمه هذا أن المقاومة عبث، وأنه هو أخذ على ملك قشتالة عهدا بأن يمن عليه بالعفو، ونصح له بتسليم مرسية دون مقاومة تجنبا لسفك الدماء.