تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Gines Perez Guirino »، فهذا لم يعمل أي عمل أمام الأمير، فسأله الأمير عن ذلك، فأجابه القسيس بأنه أمين الله، وأن عمله إقامة الصلوات، فأمره الأمير بأن يقيم الصلاة بحضرته، وهيئ معبد في أحد جوانب القلعة، وأعد كل شيء للصلاة، لكن تبين في النهاية أن الصلاة لا تمكن دون وجود صليب؛ فأخذوا يبحثون عن صليب فلم يجدوا، وبينما هم في حيرة إذا بالصليب يرى داخلا إلى المعبد يحمله ملكان من الملائكة، فوضعاه في مكانه، فوقف الأمير أبو زيد والثلاثون رجلا الذين معه بإزاء هذه المعجزة في أماكنهم جامدين، وفي تلك اللحظة آمنوا جميعا بعقيدة المسيح، ويذكر المؤرخ «بليدا» أن هذا الحادث وقع في 3 مايو سنة 1231؛ فتنصر أبو زيد، وتسمى «فيسنتي دوبلفيس

Vicente de Belvis »، وتزوج في سرقسطة «بدومينيكا لوبين»، ورزق ابنة سميت «ألدا»، تزوجت بعد بلوغها «بخيمين دوتراسونة»، ومات أبو زيد في 3 مايو سنة 1247 ودفن في بلنسية.

ثم في الفصل العشرين ذكر المؤرخ المذكور أنه لما خرج أبو زيد من مرسية إلى قراباقة سادت الفوضى في مرسية، فاضطر الأهلون إلى مبايعة أمير تستقر به الأحوال، فانتخبوا علي بن يوسف بن هود، وتلقب بعضد الدولة، فتبعه أناس كثيرون، ولكن ثار عليه أبو جميل بن مظفر بن يوسف بن سعد الجذامي، فزحف على رأس جيش عظيم ودخل مرسية، وانضم إليه الفرقة الناقمة من المرسيين. فتغلب أبو جميل على الأمير علي بن يوسف بن هود، وأمر بقطع رأسه علانية أمام الشعب، وصار أبو جميل الجذامي هو السيد المطلق. ولكن الفتنة لم تسكن بذلك؛ لأن حزب ابن هود بايعوا ابنه هذيلا، وعدوه الوارث الشرعي لأبيه، واشترطوا في بيعته أن يحارب ابن الأحمر صاحب غرناطة جزاء له على استغلال فتنة مرسية والعبث في أراضيها ونهب غلاتها وتخطف أنعامها؛ فقبل هذيل الإمارة بهذا الشرط وخرج بالجيوش التي جمعها لمحاربة الغرناطيين، وما كان يغادر المدينة حتى ساد الهرج والمرج وعمت الفوضى وشنت الغارات من كل جهة، فلما رأى المرسيون زحف الغرناطيين واستيلاءهم على مرسية وما أحدق بهم من الخطر، عقدوا مجلسا عاما حضره الشيوخ والرؤساء وتذاكروا فيما وصلت إليه البلاد من الفوضى، وفي خطر استيلاء غرناطة على مرسية؛ فقرر المجلس أخيرا إدخال مرسية وتوابعها في طاعة الملك المسيحي صاحب قشتالة، وهو المسمى سان فرناندو، وكان في ذلك الحين في مدينة برغش، فتألف وفد من أعيان مسلمي مرسية يحمل إلى الملك المذكور تاج مرسية.

وكان سان فرناندو قد علم بما هي عليه أحوال مرسية من الاضطراب؛ فانتهز فيها الفرصة وسرح جيشا قويا تحت قيادة ابنه الدون ألفونسو للاستيلاء عليها، فتلاقى الوفد المرسي مع الأمير الدون ألفونسو في طليطلة وأبلغوه ما استقر عليه رأي أهالي مرسية من الدخول في طاعة والده، وذلك بالشروط الآتية: (1)

أن يبقى ابن هذيل أميرا على مرسية تابعا للملك سان فرناندو. (2)

أن تلقى شئون التسليح والذخيرة على عاتق ملك قشتالة. (3)

أن يتسلم ملك قشتالة بمقابلة ذلك نصف ريع إمارة مرسية، ويبقى النصف الثاني للأمير العربي يستغله ما دام حيا. (4)

يكون على ملك قشتالة في مقابلة هذه الطاعة أن يوطد الأمن داخل الإمارة، ويحارب أعداء ابن هذيل، ويزحف لقتال ابن الأحمر ملك غرناطة إذا اعتدى على مرسية.

فتلقى الأمير ألفونسو اقتراحات المرسيين بالقبول، وأمضى المعاهدة من جهة، وأمضاها من الجهة الثانية محمد بن علي بن هود وقواد لقنت وأوريولة والحمة وأليدة وأثيكة وشنشالة. وامتنع من إمضاء الاتفاق أمير لورقة عزيز بن عبد الملك بن محمد بن الخطيب أبو بكر؛ لأنه كان طامحا إلى إمارة مرسية معتمدا في هذا الأمر على معاونة قائدي قرطاجنة وموله اللذين كانا من حزبه.

ثم إنه على أثر هذا الاتفاق توجه الأمير ألفونسو إلى مرسية، فاستقبل استقبالا فخما جدا، واجتمع القواد والرؤساء والأجناد واصطفوا لديه، واحتفلوا احتفالا عظيما بتسليمه مفاتيح مرسية، وابن هذيل في مقدمتهم.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٤٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٤٤٩